mercredi 9 février 2011

عالم الاجتماع المغربي المختار الهراس :" أصبح صعبا للغاية دراسة المحلي خارجا عن تأثيرات العولمة ".









نظمت كلية الآداب و العلوم الإنسانية بن طفيل بالقنيطرة ، يوم الخميس 28 أكتوبر 2010 ، انطلاقا من الساعة التاسعة والنصف صباحا ، الدرس الافتتاحي الجامعي الذي قام بإلقائه الدكتور الأستاذ المختار الهراس برسم السنة الجامعية 2010/2011  تحت عنوان " السوسيولوجيا بين المحلية و العالمية " .
        قبل تقديم هذه المحاضرة عبر الأستاذ عبد الله محسن منسق مسلك علم الاجتماع بالكلية ، عن اعتزاز شعبة علم الاجتماع بأطرها و طلابها باستضافة الأستاذ الهراس شاكرين له مشاركته هاته ، و أضاف الأستاذ محسن ،أن مسلك علم الاجتماع بكلية بن طفيل  منذ بدايته دأب على تنظيم دروس افتتاحية تتوخى خلق دينامية معرفية ، و توسيع آفاق التفكير بين الطلبة و الأساتذة و جميع الفاعلين المهتمين بهذا الميدان العلمي ، و باعتبار الوزن الكبير الذي يتميز به الأستاذ المختار الهراس بالمغرب ، استهدفنا النظر السوسيولوجي في  قضية "  الخصوصية و الشمولية " باعتباره موضوعا يستفز التفكير  و البحث المعرفي   ، و في هذا الإطار  نشكر السيد العميد على توفيره شروط تنظيم هذا النشاط علاوة على النشاطات الأخرى التي نظمت سابقا  باسم المسلك  و هذا  شيء يشرف الجميع .


     لم تكن محاضرة الأستاذ الهراس لتتعدى الساعة ونصف الساعة لولا حساسية الموضوع و الثقل الذي يكتنفه ، فالموضوع المطروح  "لازال يشغل تفكيري" -يقول الأستاذ الهراس- ، فالعولمة هي سيرورة تاريخية جارية الآن و فاعلة في مجتمعنا و في ثقافتنا على جميع الأصعدة ، وهذه العولمة الجارية لها تأثيرات متعددة على مقاربتنا السوسيولوجية ، و على المناهج التي نسعى إلى تبنيها و إلى توظيفها في دراسة مجتمعنا . وقد طرح الهراس في بحثه هذا مجموعة من النظريات التي تناولت العولمة و تأثيراتها على المجتمعات و الثقافات في مختلف دول العالم،  فالعولمة  - يضيف- ،و في إطار البحث السوسيولوجي، نجد أنها طرحت منذ بداية القرن العشرين  وذلك من خلال نظرية فلادمير لينين "نظرية الإمبريالية" ، التي اعتبرها لنين  أنذاك المرحلة الأقصى في تطور الرأسمالية، هذه الرأسمالية التي تحولت في أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين ، لإمبريالية اتجهت إلى البحث عن أيدي عاملة ومواد أولية رخيصة في إفريقيا و آسيا و أمريكا الاتينية ، و اتجهت إلى فتح أسواق جديدة لفائض إنتاجاتها ، و نتيجة لذلك بدأ يتعمق انقسام العالم إلى أغنياء و فقراء ، و الأداة التي استعملت أنذاك من لدن هذه القوة الإمبريالية هي أداة عسكرية استعمارية بالأساس ، إذ أن العولمة كانت تستعمل الأداة العسكرية كأداة لبسط نفوذها و سيطرتها على العالم، في السابق  ، في حين أنه الآن نجد أن العولمة تستعمل بالأساس أدوات اقتصادية أساسية .
      بعد نظرية لنين ظهرت نظريات أخرى من أهمها "نظرية التبعية " ، و من بين الأوائل الذين تحدثوا في هذا الإطار الباحث الأمريكي اللاتيني <span>بول تريبسشي</span> الذي طرح شكلين من المجتمعات ، الشكل الأول و هو المركز الذي اعتبره بول صناعيا ، بمقابل المحيط الذي اعتبره فلاحيا في أغلب الحالات ، و في نفس إطار هذه النظرية  أي" نظرية التبعية" كانت فيها تيارات مختلفة، حيث  نجد  العمل الذي قام به السوسيولوجي الألماني أندري فرانك  في كتابه " نمو التخلف "  ، و الذي اعتبر فيه على أن العالم هو مجموعة من العلاقات المتراتبة  و الموحدة، و شلال من علاقات السيطرة تنحدر من عدم المراكز الرأسمالية إلى العواصم  ثم إلى  المدن الإقليمية ثم إلى محيطاتها القارية ،معناه هناك تدرج من العلاقات التراتبية، و كل هذا يخضع لسيطرة المراكز الرأسمالية بالدول المتقدمة.
     في إطار نفس النظرية السابقة ، طرح الأستاذ الهراس تصور آخر للتبعية ، للسوسيولوجي البرازيلي فرناندو كاردوسو ، وهو تصور أسماه "بالنمو التبعي" ، بمعنى أن التبعية  لا تؤدي إلى التخلف ، بل قد تؤدي إلى التنمية ، و يعطي  كاردوسو أدلة على ذلك كوضع  كوريا الجنوبية ، سنغافورة، البرازيل،المكسيك ...يقول كاردوسو  بأن هذه المجتمعات  هي مجتمعات تابعة للمراكز الرأسمالية ،الدول المتقدمة، و لكن هذه التبعية تكون فيها نتائج غير مقصودة  ،هذه النتائج غير المقصودة تؤدي إلى تنمية هذه البلدان رغم تبعيتها ، فالتبعية بالنسبة له لا تؤدي إلى التخلف .
     ثم نجد باحث آخر في نفس الإطار و هو السوسيولوجي الأمريكي ايمانويل والرستاين الذي  طرح نظرية النسق العالمي ، فإمنويل  اعتبر على أن الإنسانية مرت من ثلاثة أنساق رئيسية ،  مرت من أنساق ما يسميها بالأنساق الصغرى  ثم إلى إمبراطوريات عالمية  مثل إمبراطورية روما مثلا  أو الإمبراطورية الفارسية ، ثم ثالثا انتقل العالم إلى ما يسميه بالاقتصاد العالمي . بمعنى أن العالم  اتجه من مجتمعات أنساق صغيرة أي من مجتمعات كانت تعيش على الصيد و القطف و القنص ...إلى إمبراطوريات كبرى  ولكن ليست عالمية ، بعد ذلك إلى اقتصاد أصبح أشمل و يغطى العالم أجمع ، و يضيف والرستاين  بأنه منذ القرن السادس عشر بدأ يتشكل  هذا الاقتصاد العالمي، و اعتبر أن هنالك مجتمعات مركزية و مجتمعات محيطية و مجتمعات شبه محيطية.
      يتم الحديث أيضا  عن المجتمع الشبكة أو عن النسق العالمي ، و هناك السوسيولوجي الإنجليزي أنتوني غدنز الذي  يتحدث عن عالم بدون الآخر أي كلنا نحن ، لم يعد هناك الآخر .
و علاوة على ذلك نجد  سوسيولوجي آخر وهو الألماني إيلريك بيك  (Ulrich Beck) يتحدث عن الخطر العالمي ، بمعنى أن المجتمعات المعاصرة أصبحت مجتمعات مهددة و معرضة لمخاطر متعددة بأمراض بكوارث مناخية و بأشياء كثيرة و السبب في ذلك هو الإنسان ، أي أن  الإنسان بالتحديث الذي قام به خلق شروط و عوامل تمثل تهديدا بالنسبة لسلامته و بالنسبة لبقائه على وجه الأرض .


      بعد هذا التقديم  النظري  للأستاذ الهراس و الذي لا شك  أنه أضفى شيئا ما الوضوح على مكانة و وضع المجتمعات و الثقافات المختلفة في ظل العولمة  ، فالعولمة كما - نعرفها يقول الهراس - تكتسي  تعبيرات مختلفة ، فعندما  نقرأ الأدبيات السوسيولوجية نجد أن المختصين يتحدثون عن القرية العالمية ،و يتحدثون عن اللغة العالمية و يقصدون بذلك اللغة الإنجليزية ،و يتحدثون عن المجتمع المعلوماتي ، عن التاريخ العالمي ، معنى ذلك أنه  لم يعد من الممكن فهم تاريخ مجتمع معين بعزله عن سياقه العالمي بل أصبح أخد هذا السياق العالمي بعين الاعتبار ضروريا لفهم تاريخ كل مجتمع على حدا .
إذن ما هي العوامل التي أدت إلى نشأت و تطور العولمة  ؟- يتساءل الأستاذ الهراس-
        من أهم العوامل التي ساعدت على ظهور العولمة ، انهيار المعسكر الشيوعي في بداية التسعينات ، فالعولمة هي نتاج لهذا الانهيار لأن الاتحاد السوفيتي لم يتمكن من الصمود أمام الصيرورة الجارفة للعولمة أضف إلى ذلك الدور الذي تقوم به الشركات المتعددة الجنسيات التي تشتغل على الصعيد العالمي و ليس في نطاق حدود  وطنية ، علاوة على ذلك، هناك نمو لآليات حكومية و منظمات غير حكومية دولية و جهوية مثلا ظهور الأمم المتحدة ، الاتحاد الأوروبي و عدد كبير من المنظمات الدولية، أ يضا تدفق المعلومات على الصعيد العالمي عبر الإنترنيت و عبر الأقمار الاصطناعية و التلفزيون و ،إذن كل هذا عجل  ببزوغ  العولمة . و نتيجة لكل هذا سار الأفراد يعون الروابط التي تجمع بينهم و ساروا يعتمدون أكثر إلى الانشغال بالقضايا  العالمية  أكثر مما كان عليه الأمر سابقا  ، ساروا يعون بأن المسؤولية الاجتماعية لم تعد تقف عند الحدود الوطنية بل تتعدى ذلك إلى مستوى الدولي ، نحن نحس بالمسؤولية اتجاه الكوارث الطبيعية التي تحدث في أي بلد من العالم و كل دول العالم يتضامنون مع بعضهم البعض  لأن هناك حساسية اتجاه ما يحدث خارج حدود الوطن، الإيمان بأن على المجتمع الدولي التدخل في أوضاع الأزمة لحماية حقوق الإنسان ، سارت الدول تتدخل في أوضاع دول أخرى لحماية هذه الحقوق ، وجدير بالملاحظة أن العولمة لا تمس فقط الاقتصاد بل أيضا السياسة و الثقافة و الحياة الخاصة ، و سارت هذه العولمة تكسر الحدود بين الداخل و الخارج بين "العالمي" و" المحلي".  العولمة نعيشها حاليا لا يمكن القول بأنها ذات اتجاه واحد، بمعنى أنها  تتجه من الدول الغربية إلى الدول الأخرى في القارات الثلاث أمريكا اللاتينية و إفريقيا و آسيا ، بل أن هذه الدول أيضا تؤثر عبر القنوات الفضائية ترسل رسائل و تؤثر كذلك في دول الشمال ، معناه أن العولمة حاليا ليست ذات اتجاه واحد ، رغم أن الهيمنة مازالت على صعيد الدول الغربية.
    وإذا أردنا أن نعطي تعريف للعولمة ، يمكن أن نقول بأنها صيرورة أو مجموعة من الصيرورات ثقافية اجتماعية اقتصادية ، سياسية .....تفرز تحولا في التنظيم المجالي للتحولات الاجتماعية ، معنى ذلك  أن المجال لم يبقى مجالا وطنيا و لا جهويا  و لا محليا ، بل أصبح مجالا عالميا ، و تؤدي هذه العولمة إلى خلق موجات و شبكات عابرة للقارات و موجات من النشاط و التفاعل و ممارسة السلطة ، إذن عبر هذه العولمة هناك قوى تمارس السلطة على مجتمعات أخرى وهناك مجتمعات تقاوم هذه السلطة ، و هناك أشكال مختلفة من التفاعل في سياق هذه العولمة.
      العولمة تتميز بتوسع امتداها ،  هذا الامتداد يتسع أكثر فأكثر على الصعيد الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي وهو يتم عبر أنشطة عابرة للقارات بحيث أن  القرارات و النشاطات التي تتم في منطقة معينة من العالم يكون لها صدى و معنى بالنسبة لأفراد و جماعات يعيشون في مناطق بعيدة من العالم، أي حدث يحدث في منطقة من العالم إلا و يؤول و يعطى له معنى في جميع بقاع العالم ، هكذا أصبحنا نعيش- يقول الهراس - ، إضافة إلى ذلك  فالاتصالات عبر الحدود ليست عرضية أو اعتباطية، بل مقننة ، و متزايدة في القوة و الكثافة ، و مع تطور وسائل الاتصال  و المواصلات نلاحظ أن هذه التفاعلات بين مختلف المجتمعات و هذه الصيرورات الجارية تتصارع .
    علاوة على ذلك فالتداخل بين "المحلي" و "العالمي" يتعمق أكثر ، حيث أن الباحث الألماني  كإيلريك  بيك  يقول أنه يجب أن نتحدث عن ما يسميه هو  ب "النزعة العالمية "، و يقصد بهذه الأخيرة - يضيف الهراس - سيطرة السوق الدولية على المجال السياسي ، بمعنى  أنه و في طور الحداثة كانت السياسة منفصلة عن الاقتصاد ، لكن في الطور الذي نعيشه و الذي يمثل بالنسبة لإيلريك  بيك (Ulrich Beck)  ما يسميه ب "الحداثة الثانية"  ،  فأصبحت السوق الاقتصادية الدولية  هي التي تتحكم في السياسة ، و وضعت السياسة و الثقافة و البيئة و المجتمع المدني تحت سيطرة الاقتصاد ، بمعنى أصبح الاقتصاد هو المسيطر على كل شيء ،هذه هي المقاربة و النظرة التي تنبني عليها ما سمي ب "الليبرالية الجديدة " .
و قد تطرق إيلريك بيك أيضا لمفهوم  "العالمية "، و يقصد بها العيش في "مجتمع عالمي " ، أي أن  الحديث عن العيش في مجالات منغلقة  أصبح وهما من الأوهام ، فلا حق لأحد الآن أن يتحدث عن العيش في مجتمع وطني منغلق لا علاقة له بهذا السياق العالمي ، ليس هنا بلد و ليست هناك جماعة يمكن أن تنغلق على نفسها في وجه الآخرين ،هذا ما آل إليه عالم الاجتماع المعاصر إيلريك بيك  - يضيف الهراس- .
       يتعمق السوسيولوجي إيلريك  أكثر ليتحدث لنا عن العولمة التي تشير في نظره إلى الصيرورات التي يتم عبرها تقليص سلطة الدول الوطنية من طرف فاعلين دوليين حاملين لأشكال مختلفة من السلطات و التوجهات و الشبكات هذا هو التعريف الذي يعطيه للعولمة ، إذن العولمة هي صيرورة تتضمن صراعا و تناقضا داخليا بينها و بين العوامل الوطنية من جهة أخرى ، الصراع بين "العالمي" من جهة  و" المحلي" من جهة أخرى . على أن العالمية يضيف بيك لا يمكن أن ترجع إلى الوراء ، معناه أن هذه الصيرورة التي نعيشها فهي  صيرورة غير قابلة للرجوع إلى الوراء .
     يعطي إيلريك - يقول الهراس- خمس مبررات لعدم رجوع صيرورة العولمة إلى الوراء ، أولا  التوسع الجغرافي و الكثافة المتنامية للتجارة الدولية و التشابك العالمي للأسواق العالمي وتعاظم سلطة الشركات المتعددة الجنسيات .
     ثانيا الثورة المتواصلة في ميدان الإعلاميات و المواصلات، هذه الثورة تعمق أكثر فأكثر ربط المجتمعات بعضها ببعض  فكيف يمكن إذن الحديث عن الرجوع إلى الوراء ؟
ثالثا المطالب العالمية في ميدان حقوق الإنسان و الديموقراطية التي أصبحت مطلبا عالميا  و الدفاع عن حقوق الإنسان فأي بلد ألحق ضررا بحقوق الأنسان فإن عليه تحمل ليس  فقط  ردود أفعال  داخلية، بل أيضا  ردود أفعال على الصعيد العالمي ، و هذا يزداد وثوقا و يزداد رسوخا ، رابعا هناك تدفق يومي لموجات متعددة من الصور التي تنتجها الصناعات الثقافية العالمية وهذا سيزداد تعمقا و تشعبا وتنوعا  . خامسا سلطة الفاعلين السياسيين الدوليين  تزداد تأكدا كسلطة الأمم المتحدة  و سلطة المنظمات غير الحكومية ، إضافة إلى ذلك هناك  موضوع البيئة الذي أصبح موضوعا عالميا فالتلوث يحدث في مناطق متفرقة من العالم  و مناطق أخرى تؤدي ثمن هذا الثلوث ،  إذا أصبحنا في حدودا عالمية لا توجد حدود وطنية ، الصراع الثقافي داخل نفس المجتمعات و في نفس المكان ، فمثلا ظاهرة الهجرة في المجتمعات الأوروبية ، هناك صراع ثقافي في هذه المجتمعات و هذه الصراعات  بفعل الهجرة لا يمكن أن تحل إلا على الصعيد العالمي و بتعاون مع الدول و المجتمعات التي انطلق منها هؤلاء المهاجرون.
    لهذه الأسباب فالعولمة الجارية حاليا غير قابلة للرجوع إلى الوراء ، من الآن فصاعدا يمكن القول بأنه لا شيء يحدث في كوكب الأرض حدث  محلي ، و يؤكد الأستاذ الهراس على أنه  ليس هناك حدث محلي صرف ، كل الاختراعات و الانتصارات و الكوارث تمس العالم كله لدى يتعين علينا إعادة توجيه و تنظيم حياتنا و أفعالنا و تنظيماتنا و مؤسساتنا حول محور محلي عالمي .
  العولمة أتت بأشياء جديدة بالإضافة إلى ما سبق ، هناك حضور  لتفاعل الحدود الوطنية بعضها ببعض ، و هذا معطى  جديد لأنه هناك من يقول بأن هذه العولمة هي عولمة تقتصر على بعض المجتمعات و على بعض الدول و أن دول أخرى مقصية منها، فهذا الطرح  يؤكد الهراس بأنه  طرح غير صحيح  .
    و يؤكد الهراس بأن العولمة محت كل ما يمكن أن نطلق عليه اسم  مكان  ، لم يعد هناك مكان محدد للجماعة،اليوم عن طريق الإنترنيت هناك جماعات مختلفة تتكون من أفراد من مختلف دول العالم ، إذا أين هو المكان الذي يمكن أن تقيم فيه هذه المجموعة أو تلك ؟ يتساءل الهراس . إننا نتجه أكثر فأكثر إلى جماعات حاضرة في اللامكان ، العمل كذلك هو عمل أصبح في الامكان بفعل بروز مراكز الاتصال .
   الرأسمال أصبح في  اللامكان أيضا   ، حيث و في وقت وجيز يمكن أن ينتقل الملايين من بلد إلى آخر ، و أضحى الرأسمال بذلك مكانا متحركا .
    علاوة على ذلك ، أصبح هناك وعي و إدراك بضرورة وجود الآخر(الأمريكي أو الفرنسي ..) في حياتنا الخاصة  إما عن طريق الأفكار و القيم أو عن طريق المنتوجات ، أيضا  الانتشار الواسع للصناعة الثقافية العالمية من موسيقى أفلام ...صارت كل هذه الأشياء تؤثر فينا .
 غير أن هناك العديد من الأسئلة :
   ما تأثير العولمة على سلوك الشباب داخل الأسرة ؟ هل بإمكان البنيات التقليدية مقاومة العولمة ؟
هل مازال ممكنا دراسة المحلي باعتباره محلي خالص نقي لا تأثير خارجي فيه ؟
أصبح خطر العولمة الآن يتمثل في تقليص الأعراف و يساعد على تفكك البنيات التقليدية الأسرية حيث ظهرت الأسرة النووية ، و بذلك  تراجع دور الأسرة الممتدة  التي كانت في السابق قائمة و فاعلة ، و متدخلة في  احتواء المشاكل الناتجة عن الزوجين ، أما الآن لم يعد هذا  الدعم  موجودا بل صارت الأسرة بفعل انفصال الزوجين عن الأسرة الموسعة تعيش خطر  اللاستقرار و عدم الاستمرار  هذا على الرغم من وجود استقلال ذاتي أكثر ، و حرية و ديموقراطية أكثر لدى الأسرة النووية.  إضافة إلى ذلك فالعولمة لا تقوي التجانس بين الأفراد بل تؤدي إلى تعميق الفوارق و اللامساواة و تؤدي إلى خلق أشكال مختلفة من الحيف الاجتماعي . إلى درجة أن هذه العولمة صارت تدخل  و تصدر ثقافة هجينة  إلى المجتمعات الأخرى-  يضيف الهراس-. هل نحن أمام ثقافة كونية و امبريالية ثقافية ، أم  أن العولمة تؤدي إلى تمايز التقاليد و الأشكال الثقافية ؟ أي ثقافة محلية مازال بإمكان الباحث السوسيولوجي أن يدرس ، هل الثقافة الخصوصية أم الثقافة المعولمة ، أم الثقافة الهجينة المقتبسة من مصادر مختلفة ؟ -يتساءل الهراس-.
    إن الاهتمام بالمحلي ظهر في الثمانينات من القرن الماضي كرد فعل على العولمة و قد تميز ذلك بثلاث خاصيات أساسية و هي :
   أولا : توحيد جهود المحلي لمقاومة العولمة .
  ثانيا : الاهتمام بالمحلي كمصدر للخصوصيات و الاختلافات .
  ثالثا : الاهتمام بالمحلي كخزان للمعنى بالنسبة للأفراد و الجماعات .
   فالمحلي من كل هذا لديه معنى أولي وهو معنى تقليدي و يتمثل في مكان إقامة الجماعة ، وهناك المعنى الثانوي و يتمثل في المنتوجات المحلية التي يتم تسويقها عبر العالم ....علاوة على ذلك هناك المحلي الافتراضي الموجود في الشبكة الافتراضية . و يتساءل الهراس في هذا الإطار : هل يمكن معرفة العناصر المعولمة خارج نطاق علاقاتها بالمحلي ؟ و يجيب كثير من السوسيولوجيين بأنه ليس هناك عنصر معولم بدون مجهود محلي ، فالمعولم يتجلى في المحلي و لا يوجد حاليا عنصر ثقافي محلي لا يتأثر بهذا المعولم .
     الدراسة السوسيولوجية ستكون ناقصة إذا لم تستهدف نقطة مهمة في العلوم الإنسانية ، و خاصة في السوسيولوجيا ، وهي مسألة  التنبؤ ، أو استشراف المستقبل، وهذا ما طرحه الأستاذ الهراس في درسه السوسيولوجي هذا، حيث أنه  قدم  أربع احتمالات ممكنة في تعامل المحلي مع هذه العولمة :
<span>السيناريو الأول :</span> هو سيناريو التوحيد الشمولي أو التوحيد العالمي بمعنى أن هذه الثقافة الغربية ستسيطر على كل ثقافات العالم ، و أن العالم أجمع سيصير نسخة طبق الأصل للمجتمع الغربي و للثقافة الغربية و لنمط العيش الغربي ، بحيث سنجد كل المجتمعات لها نفس الأفكار و المعتقدات و تستهلك نفس المنتوجات و نفس المسرحيات و الصحف ...التي يستهلكها الغرب و هذا السيناريو يقول الهراس بأنه سيناريو بئيس ،
<span>السيناريو الثاني :</span> و في هذا السيناريو ستظل المجتمعات غير الغربية تستهلك الثقافة الغربية حتى تصل إلى درجة الإشباع ، بيد أن الاختلاف بين السيناريو الأول و الثاني هو أن الإستهلاك  في هذا السيناريو  هو استهلاك بطيء و تدريجي و سيكون  طويلا عبر الزمن ، و بعد تلاحق الأجيال ستصبح المعاني و الثقافة المحلية للمجتمعات الثالثية متلاشية و منعدمة .
<span>السيناريو الثالث :</span> وهو سيناريو تشويه محيط الثقافة الغربية ، بمعنى أنه سنتبنى ما هو رديء في الثقافة الغربية و الأشياء المهمة التي سنقوم باقتباسها من الغرب سنقوم بتشويهها ،القيم المثلى للغرب ستتعرض للتشويه عندما تنتقل إلى المجتمعات الأخرى لسببين هامين و هما : أن  المجتمعات الغربية ستحرص أكثر إلى تصدير ما هو رديء لديها لهذا ستصبح لدينا ثقافة معولمة رديئة و غير ذات جدوى ، و السبب الثاني هو أن الطرف المستقبل غير مستعد لمعرفة ما هو مهم و ما هو أقل أهمية .
<span>السيناريو الرابع :</span> هو سيناريو النضج إذ أن هذا السيناريو ينبني على حوار و تبادل متساو بين العالم الثالث و الغرب و لن تنتقل بشكل أعمى النماذج الثقافية الغربية السلبية  بل سنستقبل الثقافة النافعة و المهمة ، بمعنى يقول الهراس ، سنقوم بفحص الأشياء و تمحيصها بطريقة انتقائية  قبل اقتباسها و تبنيها ، بعد ذلك سنعالجها و سنعمل على  إغنائها  ، ثم سنقوم بإرجاعها إلى المجتمعات الغربية في إطار التبادل ، في هذا السيناريو كذلك سيتم تحفيز الثقافة المحلية على الحفاظ على اختلافها و خصوصيتها ، العولمة في هذا السيناريو ستمنحنا الفرصة للحفاظ على ثقافتنا و ما هو خصوصي لدينا بمعنى أكثر توضيحا ، لن تكون هناك عولمة تدميرية و إنما عولمة تحفز على الاختلاف و التسامح ، و في النهاية سنتوفر على مجتمعات ذات أصول ذات ثقافات متعددة و مختلفة ، ثقافة كل مجتمع ستكون خليط بين ثقافات متعددة ، يقول " بدل أن تسيطر ثقافة الغرب على الثقافات الأخرى سنجد صيرورة من حوار الثقافات بين المجتمعات حوار بين ما هو معولم و ما هو محلي " .
     وقد دافع بشدة الأستاذ الهراس عن الثقافة المغربية  و العربية متمثلة في ذلك  باللغة ، حيث أكد على أنه إذا احتقرنا لغتنا و لغة أجدادنا و القيم المحلية ، مما لاشك فيه نحن في طريق الهاوية ، 300 مليون شخص يتحدث اللغة العربية في العالم و أعداد المتكلمين بها يتزايد عالميا ، يجب إذن تقوية لغتنا و تحسين المجال البيذاغوجي لتطويرها و الاهتمام بها ، فالغير سيحترمنا أكيد إذا أعطينا قيمة عليا للغتنا و قيمنا الثقافية .


الأستاذ عبد الرحيم العطري :" أقترح النقد المؤسس كنموذج منهجي سوسيولوجي لدراسة المجتمع المغربي المعقد"



   اعتبر الأستاذ عبد الرحيم العطري النقد المؤسس كمنهجية تضاف إلى باقي الاجتهادات التي قام بها أبرز  السوسيولوجيين المغاربة من أمثال عبد الكبير الخطيبي في نقذه المزدوج ، و مصطفى محسن في نقده المتعدد الأبعاد .
و النقد المؤسس  الذي طرحه عبد الرحيم العطري  هو منهجية للفعل و التفاعل مع القضايا التي تتناولها السوسيولوجيا ، و  هذا النقد المؤسس  كما باقي التصورات الأخرى  فهو  يتبنى قواعد و أسسا معرفية و إيبيستيمولوجية للوصول إلى أنساب الحقيقة -على حد تعبير العطري - وهذا النقد هو متعدد الخيارات لأنه يسعى إلى بناء المعرفة كما يسعى إلى بناء الذات السوسيولوجية ،- وحسب عبد الرحيم العطري دائما - فإن لهذا النقد المؤسس  خطوات و قواعد ومن أهم هذه القواعد:
1- القطع مع الحس المشترك : من أجل الانتماء إلى المعرفة السوسيولوجية من المفروض بث القطيعة مع أفكار و ترديدات
 الحس المشترك
2- الاعتراف بثقل التاريخ : بمعنى أية واقعة اجتماعية يستهدفها الباحث السوسيولوجي لابد له من العودة إلى تاريخها  و شروط إنتاجها الأولية و باعتبار أيضا أن الظواهر التي يعيشها الإنسان في حاضره هي ظواهر تمتد جذورها في التاريخ
3- الملاحظة  العلمية : وهي مسألة ضرورية للسوسيولوجي  و مهمة له على اعتبار ما قد يكتنف في الظواهر من أسرار  وغموض تستلزم نظرة أعمق و أكثر تفحصا من الاستعمال البسيط للملاحظة .
4- الانفتاح بدل الانغلاق : بمعنى الانفتاح على معارف متعددة على علوم أخرى لمقاربة الظاهرة الاجتماعية ، فالاقتصار على علم الاجتماع حسب العطري مسألة ناقصة و لا تساعد على اكتمال المشروع السوسيولوجي
5- التعدد المنهجي : الاستمارة وحدها بحسب العطري غير كافية لإنجاح البحث السوسيولوجي ، فالتمسك بالتقنيات الكمية  و الكيفية معا و الاختيار المناسب لها هو الحل في نظر العطري للوصول إلى نتائج علمية تقارب الحقيقة .
6- طرح السؤال : بمعنى أن أي موضوع سوسيولوجي بالإضافة إلى ما سبق هو رهين بطرح السؤال وهي نقطة مهمة و ضرورية في علم الاجتماع ، فمن الضروري اختيار السؤال المعقد و الصعب  الذي يفتح آفاق للتفكير و التمحيص العميق .
7- مفتاح التراتب : التراتب الاجتماعي بحسب العطري هو المفتاح لفهم المجتمع المغربي  ، فالتراتب الاجتماعي هو الذي يصنع الحقيقة ،
    وقد تساءل عبد الرحيم العطري عن شكل و بنية المجتمع المغربي ، فقبل أن يكون مجتمعا مركبا إسوة مع طرح بول ياسكون ، أو مجتمع متعدد الأبعاد الذي طرحه مصطفى محسن ، أو مجتمع نامي كما طرحته بعض الدراسات الاقتصادية  ، فهو "مجتمع  تراتبي" بالدرجة الأولى  حسب العطري ، باعتبار أن التراتب هو شرطه الوجودي ، لأن كل العلاقات و الأفعال الاجتماعية هي مبنية على التراتب ، فنظام الطبقات ينعكس على مستوى القيم و السلوكات و الممارسات بدليل حسب العطري دائما أن عالم المخدرات نفسه يعيش التراتب فهناك مخدرات ذات الثمن المتدني و تقصده الطبقة المتواضعة و هناك المخدرات ذات الثمن العالي و يقصده الأشخاص ذوو مكانة اقتصادية كبرى داخل المجتمع المغربي إذن فالتراتبات لقوتها داخل هذا المجتمع  تمتد إلى الانحرافات  و نفس الأمر في التعليم وفي باقي المجالات و العلاقات الاجتماعية  الأخرى ....
        هذا ، وقد اعتبر العطري بأن المسألة القروية في المغرب  تنتج جدالا واسعا خصوصا عند التطرق للمجال الجغرافي ، فكما تساءل عبد العروي يتساءل عبد الرحيم العطري عن جغرافية و مجال الموضوع القروي بالمغرب ، فهل يمكن اعتبار المجتمع القروي المغربي مجتمعا قرويا جبليا ، أو صحراويا ، أو سهليا ، أو نجديا ....وهل نفس القضايا التي تطرح في إحدى هذه الأنواع القروية تطرح في الأخرى ؟؟ يتساءل العطري ، إن كل مجتمع من هذه المجتمعات له خصائصه وقيمه الخاصة و سيكون بحسب العطري مغامرة إذا اعتبرنا أن جميع الأنواع و التشكيلات للمجتمع القروي بالمغرب هي تشكيلات واحدة وهو ما يؤكد على أن الباحث السوسيولوجي أمام  مساءل قروية متعددة بدل مسألة قروية واحدة وواضحة . لكل ذلك يتساءل العطري ما هي الإمكانات التي يمكن أن تساعد للرقي بالمجتمع القروي و إخراجه من الإرهاصات التي يعيشها ؟ قد تكون هناك حلول سياسية مثل إمدادات الكهرباء ، أو تدخل التقنوقراط في بلورة مشاريع اقتصادية مدرة للدخل ، وهنا يستحضر  عبد الرحيم العطري  تصور ومقاربة  بول باسكون وهو تقسيم الأرض بشكل عادل و إعادة توزيع الثروة الأرضية  و تجاوز الاختلالات العقارية التي تحضر في تدبير المسألة القروية .
   وقد دعى العطري على المستوى السوسيولوجي بإعطاء الأهمية للمسألة القروية باعتبار أن المجتمع المغربي هو  بدرجة كبيرة من أصول قروية . فالذي أدى إلى بروز المشاريع الكلونيالية و تفردها هو اهتمامها بالمسألة القروية في عاداتها و معتقداتها والممارسات و الطقوس التي تمارسها ، وفي هذا الإطار دافع العطري بقوة عن المعرفة الكولونيالية و اعتبرها معرفة ذات جودة و إنتاجاتها العلمية كانت ثقيلة بغض النظر عن ظروفها الأيديولوجية ، بمقابل الإنتاجات السوسيولوجية المغربية التي أكد العطري على أنها لم تحاكي ولم تكن بشكل من الأشكال على مستوى التنظير و المقاربة العلمية للسوسيولوجيا القروية .
       وتجدر الإشارة إلى أن هذا اللقاء قد نظم بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط يوم الثلاثاء 14 دجنبر 2010 انطلاقا من الساعة الواحدة بعد الزوال بتنظيم وإشراف طلبة علم الاجتماع بالكلية .

samedi 20 novembre 2010

" عبد الله العروي : " لا بد من إجراء استئناف للدولة المتأزمة سياسيا


عملت كلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط (باب الرواح) بمدرج الشريف الإدريسي  يوم  الجمعة 5 يونيو 2010 انطلاقا من الساعة الخامسة مساءا بتنظيم لقاء مع المفكر المغربي عبد الله العروي في إطار ترجمته لكتاب " تأملات في تاريخ الرومان" لكاتبه الفرنسي مونتسكيو.
         ترجمة كتاب مونتسكيو لم يكن اعتباطيا،و لا يتعلق بنبش الأحداث الماضية ،  بل مرتبط بكون هذا  المفكر الفرنسي  من رواد علم السياسة ، بل يعتبر المؤسس الأول لعلم السياسة- يقول العروي-
    بداية وقبل الدخول في توضيح أسباب و ظروف الترجمة عرض عبد الله العروي ملاحظتين هامتين من المهم أخذهما بعين الاعتبار:
فمن جهة المسألة الأولى  تتعلق بالتأريخ بالمعنى الدقيق ،أي اختيار نقطة ابتداء لكل تاريخ معين ‘ فكما في أدبيات اليونيسكو التي نتطرق فيها للتاريخ انطلاقا من نقطة بداية الميلاد فنقول قبل أو بعد الميلاد، بحيث يعتقد العروي  أن هذا يطرح عدة مشاكل لا حد لها لأن الكيفية التي نفهم بها هذا التاريخ يتحكم في الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا لفهم ذلك التاريخ .فالتأريخ أو نقطة البداية هي التي تتحكم في  مفهوم التاريخ . لذلك نجد أن مونتسكيو في كتابه هذا لم يتطرق لأي رقم لتاريخ محدد ، فالمهم عند مونتسكيو إذن  هو تتبع الحوادث في بداية روما و النظام الملكي إلى غاية بداية القرن الخامس بظهور النظام الجمهوري أو القنصلي إلى نهاية القرن الثامن بظهور النظام الأميري ثم بعد ذلك النظام الإمبراطوري إلى غاية القرن الحادي عشر، ومن جهة أخرى فالمسألة تتعلق بذهنية مونتسكيو على اعتبار أنه اهتم بالتفكير في ما آلت  إليه حالة فرنسا بعد ما يفوق أكثر من نصف قرن من حكم لويس الرابع عشر.
        وينتقد  مونتسكيو  حكم لويس الرابع عشر الذي انتهى في سنة 1715 في أربع نقاط كانت السبب الرئيس في تدهور الوضعية السياسية بفرنسا بعد ذلك :
أولا: ما نلاحظه على سياسة لويس 14 هو أنه مزج بين مصلحة أسرته و مصلحة الدولة حتى أصبح يحارب  أوروبا بكاملها لا دفاعا عن مصلحة الدولة الفرنسية ، و بسبب ذلك قامت حرب ما يسمى بالوراثة الإسبانية التي دامت عشر سنوات أنهكت من خلالها قوة فرنسا.
ثانيا :  محاولة توحيد العقيدة و القضاء على كل ما هو ليس مسيحي كاثوليكي الذي انتهى بطرد البروتستانتيين من فرنسا سيما وقد كانت هذه الجماعة هي الأكثر ثقافة و تقدما و دراية بكل الأحوال الاقتصادية و المالية
 ثالثا : وهو خضوع لويس 14 إلى مصلحة الكنيسة الفرنسية و كل ما يدور في فلكها  
         إذن في النهاية بحث مونتسكيو في تاريخ روما يهدف إلى البحث عن مفهوم السياسة العصرية التي ليست هي سياسة التوسع و التي لا تتعلق بفكرة النبلاء و حروبهم القديمة بالنسبة لمصلحة جماعة معينة.
رابعا :  وهو عكس ما يظنه الكثيرون فالحكم المطلق ليس هو البداية ، بل نتيجة لتطور معين و هو أي الحكم المطلق يسبقه دائما حكم مقيد ، فلذلك عند مونتسكيو هناك فرق كبير بين مفهوم الملكية التي هي ملكية مقيدة بتبادل المصالح بينها و بين رؤساء جماعات معينة ، و بين الملكية المطلقة التي هي نتاج ثورة داخل دولة معينة ، و بالتالي لا يعتقد مونتسكيو بأن مفهوم الملكية كما كان أيام لويس 14  هي أنها ملكية مطلقة لأنها ممنوحة من القدرة الإلاهية.    
   وقد اعتبر الإنجليز مونتسكيو أنه قدم أعمق تحليل لدستورهم السياسي و قدم أقوى دفاع عن الحرية  في أوجه الاستبداد بخلاف الفرنسيين كغيرهم من الشعوب الكاثوليكية فإنهم لم يصغوا إلى دعوته إلا بعد إقامة الثورة الفرنسية ،
    و فيما يتعلق بالمنهج،  فلب المنهج عند مونتسكيو- يقول العروي- هو المقابلة و المقارنة ، فقد كان يقارن باستمرار بين القانون الروماني الجاري به العمل في جنوب فرنسا و الأعراف الجرمانية الجاري بها العمل في شمالها .إذ لاحظ بأن أعراف الإرث و قوانين الزواج ...مختلفة تماما بين الشمال و الجنوب ، ، فبالإضافة على اعتماده المقارنة في كتابه هذا ، فقد اعتمد على الرواية الشفوية التقليدية المكتوبة ، ذلك أنه لم يدقق في المعلومات و لم يدخل في نقاشات حول صحة هذه المعلومات بل أولها على اعتبار أن موضوعه الأساسي هو البحث عن مفهوم السياسة في الظروف الحديثة من جهة ، ومن جهة أخرى فمونتسكيو اهتم ببعد النظر و حرية الفكر و البراعة في استخلاص الفكرة .
    مقارنة مونتسكيو  هاته بين شمال فرنسا و جنوبها - يقول العروي-لم تكن فقط هي الوحيدة في كتابه ،فقد قارن أيضا بين النظامين الشرقي و الغربي ، حيث رجع إلى النظام القديم مع مجيء القبائل الآرية التي قسم منها اتجه إلى ما يسمى باليونان و قسم آخر إلى ما يسمى اليوم بإيران ، هذين القسمين مع أنهما من فرع واحد إلا أنهما يختلفان في أمور عديدة كاللباس مثلا ، فالإيرانيون كانوا يكتسون لباسا فضفاضا أما اليونانيون فقد كانوا يفضلون العري بدليل أنه في المعارك و التباري كان المتبارون عارون- إلى حد ما- ،كذلك فيما يتعلق بنظام الزواج ، فاليونانيون اتخذوا كعادة ، أحادية الزواج و الإيرانيون كانوا متعددي الزوجات في أغلب الأحيان ، ثم فيما يخص اللحية فاليونانيون كانوا يحلقونها أما الإيرانيون فقد كانوا يفضلون تربيها . فأسباب الاختلاف هذا حسب مونتسكيو بين هذين القسمين رغم أصلهما الواحد ، راجع إلى نوع التغذية  المختلف ، و الطقس ...، غير أنه مع تطور الأمور لم يصبح الاختلاف مقتصرا على اللباس و تربية اللحية ..بل أيضا في اللغة و العقيدة و الأعراف الاجتماعية ، و هذا ما جعلنا الآن يقول العروي أن نوسع المدى الجغرافي إلى الشرق متمثلا ذلك في آسيا ،  و الغرب متمثلا ذلك في أوروبا ولهذا يتساءل مونتسكيو : لماذا الغالب على الدول الأوروبية القديمة النظام الجمهوري ، و على الدول الشرقية النظام الملكي ؟ مع أن هذه المقارنة –يضيف العروي- غير صحيحة تماما لأن نظام قرطاج مثلا كان جمهوريا وهو الذي أخذت عنه روما نظام القنصليين ، إذن فهذه المقارنة ليست دقيقة لكنها أصبحت في ذهن الناس على أن نظام الشرق استبدادي ونظام الغرب ديموقراطي جمهوري .
   ينقل مونتسكيو هذه الثنائية –يقول العروي- من الماضي البعيد ، فيبحث في أسباب تجاوب الديانة المسيحية مع الجمهورية ،و الديانة الإسلامية مع الملكية ، و قد أشار العروي في هذا الصدد بأن الجمهورية يركز عليها المسيحيون البروتستانت بدليل أنه في عهد لويس 14 ركز على حكم أساسه رباني ملكي كاثوليكي بابوي .
      لم تقتصر مقارنة مونتسكيو على هذا فقط ، بل قارن كذلك بين النظام الفرنسي و النظام الإنجليزي في التاريخ الحديث ، و رأى أن هناك اختلاف بين النظامين مع أن الدين واحد والعرق واحد فلماذا إذن  هذا الاختلاف بين ملكية مطلقة و نعني هنا فرنسا ، وملكية مقيدة ممثلة بابريطانيا ؟  
    وبدوره قارن عبد الله العروي بين مونتسكيو و بين ما اعتبرهم أقرانه ويتمثل ذلك في كل من ماكيافيللي و ابن خلدون : 
     ففيما يتعلق بماكيافيللي فإنه يقارن باستمرار بين النظام الجمهوري و النظام الأميري ، أي بين روما القديمة و إيطاليا الحديثة غير أن هاجس ماكيافيللي حسب العروي  هو كيف يمكن خلق دولة لكي تدوم أكثر مدة ممكنة ؟ فهدف عمل ماكيافيللي سياسي في العمق ، و لا يعنيه كثيرا أسباب التطور و النهوض و الانحطاط.
     أما ابن خلدون فهمه الأساس هو منهاج تمحيص الأخبار، فإذا كان ماكيافيللي يستهدف مخطط السياسة العملية الذي لا يتطلب مقارنة موسعة فإن بن خلدون يمهد لسوسيولوجية العلم المساعد لقراءة التاريخ .  وقد آخد العروي ابن خلدون  كونه لم يستعن  بمراجع  لتوسيليت و تاسيلي و بوتاخوست المتعلقة بالتاريخ الروماني و اليوناني التي لم يطلع عليها ، وهي الكتب التي كونت فيما بعد الفكر السياسي الأوروبي الحديث .و يتساءل عبد الله العروي في هذا الإطار: أليس هذا هو سبب انحطاط أو محدودية الفكر السياسي الكلاسيكي العربي ؟ كيف سيكون فكر ابن خلدون لو اطلع على الكتب الرومانية السابقة على روما المسيحية ؟ 
               غير أن  ابن خلدون يضيف العروي، في مقارناته  بين  البدو و الحضر ،و بين العرب و البربر ، بين العرب و الترك التي استنتج منها ثنائية العمران المدني و البدوي، قد تتبع المعارضة على جميع المستويات ،بدون فزع أو خوف و هو ما يجعل منه مفكرا عظيما ، فميز بين  الحكم المدني المطلق الذي هو إما سديد يتوخى الخير للجميع و إما متهور ظالم،و بين حكم شرعي يضمن سعادة الفرد. لقد تشبت ابن خلدون بهذا الاستنتاج لأنه متيقن حسب تقويمه أن الحكم الجمهوري هو حكم الغوغاء  فاسد من الأصل ينتهي بالضرورة إلى الفوضى ، و هذه العقيدة نجدها أيضا عند ابن رشد لأن هذا ما وجداه  وباقي المفكرين الآخرين في المراجع التي كانت متوفرة لهم أنداك ، و لا يمكن أن يصل بالإنسانية هذا  النموذج الجمهوري  إلى أية نتيجة، لكن لو اطلع بن خلدون أو من سبقه على الفكر السابق على القرن الرابع و فكروا في النظام الجمهوري عندما كان متغلبا على الساحة ،أي روما القنصلية و أثينا الديموقراطية ، لو اطلعوا على ذلك ستكون النتيجة بدون شك مخالفة - يقول العروي-. وسبب هذا أنهم اعتمدوا على الترجمة السريالية . بخلاف الأوروبيين الذين  بدؤوا يفحصون في كتب تاسيلس و توسيلي و بوتاخوس و ترجمت كتبهم مرات عديدة و ترجمات الكتب لا تنتهي ، و دار التحقيق و النقاش حولها  عقود طويلة ، بحيث أنه في الفكر السياسي المعاصر في فرنسا ألمانيا إنجلترا كانوا يقرؤون اللاتينية و اليونانية بسهولة و ترجمات الكتب تتحسن مرة بعد أخرى و الجامعات تقوم كل 50 سنة بإخراج ترجمات جديدة أوفر من السابقة. و يتساءل عبد الله العروي في هذا الإطار : هل ننتظر كل هذا الزمن لترجمة كتاب مونتسكيو هذا الذي ترجم في عهد ملك بروسيا فريديريك الثاني قبل أن يكون ملكا ؟
           و فيما يرتبط بالعلاقة التي تجمع بين هؤلاء المفكرين  الثلاثة  وهي المقارنة الطويلة ، حيث يتساءلون :هل يمكن إصلاح ما فسد من سياسة ؟ هل يمكن أن نتغلب على كل هذه المعيقات و نصلح ما فسد؟
       ما  يوصي به مكيافيللي عند تردي أوضاع الدولة  هو بالضرورة إجراء "استئناف" بمعنى بداية دولة جديدة و ليس إصلاح القديم.    
    وقد طرح عبد الله العروي فكرة مونتسكيو التاريخانية التي استنتجها من التحولات السياسية التي طرأت على روما ، فقد كان مكتوبا  حسب مونتسكيو على روما أن تعلو إلى القمة كما كان مكتوبا عليها   تنحط إلى الحضيض قبل أن تطرد نهائيا من مسرح التاريخ ،  ذلك و بحسب مونتسكيو دائما ،الذي رأى  بأن أسباب نهوض روما هي نفسها الأسباب التي أدت إلى الخلل و الانحطاط ،ثم الانهيار و هي أسباب راجعة إلى التشريع و التربية و رعاية التقاليد ...، وهذا ما ينطبق على ما مر به العرب  - يقول عبد الله العروي - فالأنفة العربية لعبت دور العلو و السمو و الاعتزاز بالنفس وهو الذي جعل الفتوحات الاسلامية تنتشر من الشرق و الغرب ، لكن بعد ثلاث قرون ، الذين ظنوا بأن الأنفة كانت سبب إعلاء الشأن لم يفهموا بأنها هي نفسها تكون سبب الانحطاط و الاندحار .
         أما فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فإنه  مختلف عند كل من مونتسكيو و ماكيافيللي –يقول العروي- غير أن ما يجمعهما هو استحالة الإصلاح، فالإثنان  يقولان بأنه إذا بدأت الأحوال تسوء في الدولة لا يمكن إصلاحها، يمكن تأخير النتيجة، و لكن لا يمكن إصلاحها ، و السبب هو أن كل دولة تنمو و تتسع و بعد حين تنقلب الأوضاع فتتحول تلك المزايا التي كانت في البداية سبب العلو، إلى عوائق، عندها لابد من  إبدال تلك المزايا بأخرى، بمعنى تغيير جدول القيم ،و هذا ما فعله أتاترك ، و بتروس الأول في روسيا ، و هو أيضا ما فعله اليابانيون ،لابد من حصول" القطيعة"- يقول العروي-  لكن هذه
 "القطيعة "غير ممكنة تلقائيا ،" فالحكمة تقتضي أن الأواخر لا تصلح إلا ما صلحت به الأوائل"
 - يضيف العروي- .
  و في هذا الإطار  ينتقد عبد الله العروي الأوضاع السياسية القائمة  بقوله :"غيروا أنتم الأحوال و عودوا بنا إلى الأحوال السابقة و حينئذ تكون الأمور كما هي ". فالمأساة السياسية هي أن تفرض عليك تغيرات دامية و تدفع إلى اتخاذ قرارات مقلقة إلى مدى بعيد . إذن فمونتسكيو و ماكيافيللي يقول العروي يدافعون فيما يسميه العروي "بالاستئناف" ، أي خلق "استئناف" ، فإصلاح دولة لا يمكن ، لابد من "الاستئناف" –يقول العروي-، بدليل أنه فيما يتعلق بروسيا ، فقد جاء بتروس الأول و أدخل إصلاحات ، وجاءت كاترين الثانية الألمانية و أدخلت إصلاحات ، بعد ذلك جاءوا قياصرة روسيا و أدخلوا إصلاحات ، ثم جاءت الثورة البلشفية و أدخلت الإصلاحات ، و يتساءل عبد الله العروي في هذا الإطار : ماذا نرى الآن؟ عودة إلى الماضي ، و عودة إلى الديانة الآرثودوكسية و إلى الملكية الخاصة . و هذه الحالة يمكن أيضا أن نتمثلها بخصوص الأوضاع السياسية في ظل أخطاء لويس الرابع عشر و التي هيأت للثورة الفرنسية غير أنه و بعد 25 سنة- يضيف العروي-  عادت الأمور كما كانت عليه بكيفية من الكيفيات ، فإذا كان هناك تشاؤم –يقول العروي- فالتشاؤم له ما يبرره تاريخيا أي أنك تقوم بإصلاحات تكون لها نتائج مختلطة بعضها صالح و بعضها فاسد و بين أنك تقوم "باستئناف"، من خلاله يمكن لك أن تحافظ على الاستقرار بالرغم من صعوبته

"عبد الغني مونديب :"مشكلة المغرب أنه في وصاية الأميين و هيمنتهم


تحت وطأة الأزمة التعليمية التي يعيشها المجتمع المغربي ، و تحت الاختلالات الحادة التي يعيشها النظام التعليمي بالمغرب ، و الذي برزت نتائجه في التقارير الجهوية و الدولية التي تنتقد البرامج و المخططات الإصلاحية ، هذه البرامج و المخططات  لم تزد الأمور إلى تعقيدا و تدهورا و رجوعا إلى الوراء ، إلى درجة أن هذه التقارير من خلال أبحاثها الميدانية صنفت المغرب في المراتب المتأخرة إسوة مع جيبوتي و الصومال و دول أخرى من طينتها .
       وفي تحليله السوسيولوجي لهذا الأزمة أبى أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط  الأستاذ عبد الغني مونديب ، أبى  إلا أن يخرج عن صمته إزاء هذا الوضع الكارثي و الذي انعكس بشكل كبير سواء داخل المجتمع المغربي  أو حتى داخل  الجامعات المغربية ، و هذا يشكل خطرا كبيرا لمستقبل الأجيال       
 ففي محاضرته ليوم الثلاثاء9 نونبر 2010  : انتقد مونديب النظام التعليمي القائم بالمغرب ، هذا النظام الذي عودنا على طرح الأسئلة بصيغة لماذا ؟ و لا يعلم التلاميذ  كيفية قراءة الكتب و المقالات المختلفة بصيغة السؤال كيف ؟ ويقصد مونديب في هذه الفكرة هو غياب أي منطق في القراءة منهجيا و بالتالي هذا وجه من أوجه الاختلالات التي لم ينظر لها بعين الاعتبار و التي هي  غائبة تماما عند اللجان المسئولة  في برمجة المقررات الدراسية .
    و قد أكد الأستاذ منديب على أن مشكلة المغرب أنه في وصاية الأميين و هيمنتهم ، و المتعلم يحاول إرضاء هؤلاء الأميين على اعتبار أنهم يمثلون الآباء والأمهات ، وبالتالي  التمرد عليهم و مخالفتهم في الآراء ولو كانت غير صحيحة تعتبر من العقوق و تحطيم للتربية التي تربوا عليها ، وهذا ما يحصل داخل المجتمع المغربي ، حيث يعتقد الكثير من الآباء  مثلا على أن نوع المولود تحدده المرأة ،مما ينتج عن ذلك من تطليق و تشردم للعائلات إلى درجة القتل في حالات  كثيرة ، على الرغم من تدريس ذلك في المدارس كون الرجل هو المحدد الرئيس في نوع المولود ، يعجز و يتخوف الأبناء  من التحدث مع الآباء  كي لا يحسبون من العاقين ، وبهذا فالآباء لا يعرفون معنى و كنه التعليم ، فالأمي يعتقد و يتصور التعليم فقط ، و لا يعلم  أنه يغير كينونة الشخص .، و يتساءل الأستاذ مونديب في هذا الصدد : ما دور التعليم إذا لم  يستطع الأبناء المتعلمون توعية آبائهم وتغيير العقليات  الخاطئة الموجودة داخل المجتمع المغربي ؟ إذن فالمدرسة لا تعود الفرد لأن يروج بضاعتها و يستعملها و أن يناقش حولها ، لأنه من المفروض هذا هو الذي يجب أن يحدث ، وبالتالي بث القطيعة مع الأمية و الجهل .
     حاليا في المجتمع المغربي لا نميز بين المتعلم و غير المتعلم -يقول الأستاذ مونديب- ، بمعنى أن معظم المغاربة يدخلون إلى المدرسة يستهدفون بالدرجة الأولى النقطة ، كيفما كانت الوسائل ، فالنقطة هي الغاية ، غير أن  الحصول على المعلومة أو الفكرة تبقى  مسألة غائبة في المغرب إلى حد بعيد ،.إننا سيجنا أنفسنا بمجموعة من الحواجز و رأينا في التعليم النقطة و بعد النقطة الشهادة ، و يتساءل مونديب : كم هي مبيعات الكتب و الجرائد في المغرب بالمقارنة مع أعداد المواطنين ؟ حتما هي متدنية بشكل فظيع .يضيف .
     وقد أكد مونديب ، على أن النظام التربوي الآن يمر من أسوء حالاته ، بل وضع خطير أن نصل إلى هذا المستوى من التعليم المتدني ، و الأسوء أنه لم يقع أي إضراب يناهض و يحتج عن وضع التعليم العمومي بالمغرب هذا التعليم  هو تعليم ملغوم  و مملوء بالأفخاخ، فمن المفروض -بحسب الأستاذ مونديب دائما- أن تغيير لغة التعليم تكون مطالبة  اجتماعية ، فالتدريس باللغة العربية لوحدها تحصر عقل التلميذ و فكره ، و في مرحلة الباكالوريا تبدأ الأمور تتوضح ، فالذي سبق له أن درس في المدارس الخصوصية يذهب إلى كليات الطب و الهندسة ...و من سبق له أن درس في المدارس العمومية تكون وجهته إلى الكليات الأدبية ، على اعتبار توفر الطالب  على لغة واحدة ، و بالتالي يتجه نحو الكتب الصفراء التي تتناول عذاب القبر ، ونقذ للمجتمع بدون عقل و لا منطق .و في نهاية المطاف  إنتاج  أفراد مستعدون لتفجير أنفسهم

"الأستاذ الدهان " مسؤولية السوسيولوجيين المغاربة هي مسؤولية فوق فوهة بركان

عقد طلبة الماستر و الدكتوراه في علم الاجتماع ندوة علمية يوم الجمعة 21 ماي 2010 ابتداءا من الساعة الثالثة بعد الزوال بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط وقد حضر لهذه الندوة كل من الدكاترة الأستاذ شقرون رئيس شعبة علم الاجتماع بالكلية و الأستاذ عبد الغني منديب بالإضافة إلى هرم السوسيولوجيا بالمغرب الأستاذ محمد الدهان وقد تطرقت الندوة في موضوعها إلى " سؤال السوسيولوجيا في مغرب متحول" .
قبل أن يأخذ الأساتذة الكلمة في تحليلهم السوسيولوجي لهذا الموضوع تدخل السيد محمد المختاري نائب عميد الكلية حيث عبر عن فخره و اعتزازه بحضوره مع أصدقائه الأساتذة ، ذلك أنه أكد على أنه منذ افتتاح القاعة -التي يأتي تجهيزها في إطار ترميم العمارة ب - التي احتضنت اللقاء ،و الطلبات تتقاطر على إدارة الكلية من أجل تنظيم ندوات حول أهم القضايا و المشاكل التي تتعلق بالمجتمع المغربي بشكل عام من طرف مختلف الشـُعب ، و هذه المبادرات تأتي في مرحلة إعادة إحياء موقع العرفان بتنظيم نشاطات ثقافية و علمية حتى ينسى الطلبة ما يسمى بالمراقبة و الامتحانات و الخروج من الملل و الروتين اليومي الذي يربط بين الطالب و الأستاذ في حجرة الدرس ، كما دعا السيد نائب العميد إلى خلق نادي يجمع طلبة علم الاجتماع في جميع الفصول بشكل موحد و منظم حتى يبقى هذا الإرث مستمر مع الأجيال المقبلة .و من جهة أخرى تدعيم النشاطات و الدينامية التي تقودها هذه الشعبة شعبة علم الاجتماع .
و بعد هذا التقديم من السيد نائب العميد ،أكد الأستاذ شقرون أن الموضوع المقترح يفرض علينا عدة مداخل ، ذلك أننا لا نركز كثيرا على عنصر هام و الذي غالبا ما غيب في الدراسات السوسيولوجية في العالم بصفة عامة خلال الأعوام القليلة الماضية وهو الموضوع المتعلق بالطبقات الاجتماعية.
هناك مجموعة من العوامل كان لها السبب في تحول الطبقات الاجتماعية و خصوصا الطبقة المتوسطة من أهمها التنمية الاقتصادية... تغير القيم ... الدينامية التجارية ... ففي المغرب هنالك ما يقارب 53 في المائة من المواطنين يشكلون الطبقة الوسطى و حوالي 34 في المائة من الطبقة الفقيرة و 13 في المائة من الطبقة البرجوازية العليا إذن فأغلب سكان المغرب هم من الطبقة المتوسطة
63 في المائة حرفيون أو عمال متخصصين في الصناعة
58 في المائة متقاعدين أو غير نشيطين
48 في المائة فلاحون أو عمال فلاحين
40 مستغلين فلاحين في المائة
19 في المائة من الأطر العليا و المهن الحرة
الطبقات العليا مشكلة من 76 في المائة من الأطر العليا
الطبقة المتوسطة هي نقطة تقاطع بين طبقات اجتماعية صاعدة و أخرى نازلة و تعتبر الطبقة المتوسطة أساس الاستقرار الاجتماعي وقد عرفت الدول المتقدمة تدفق كبير لهذه الطبقة نتيجة حركية اجتماعية أفقية و أخرى عمودية :
فأما الحركية العمودية تتمثل بالأساس قي الهجرة سواء الداخلية أو الخارجية هذه الحركية العمودية تؤدي إلى نشوء مدن جديدة و بالتالي مع الزيادة في عدد المهاجرين يتسع المجال الحضري و من تم يكثر عدد العمال و الموظفين و تخلق أنواع تجارة جديدة وقد تختلف الطبقات من مدن لأخرى ، و ما يميز هذه الفئة هي نزعتها الاستهلاكية و هي على استعداد لأن تستهلك بدرجات أكبر .
أما النوع الثاني المتعلق بالحركية الأفقية ، إن التغير في الموقع الاجتماعي ناتج بالأساس مع تطور التمدرس ذلك أن التعليم يساعد بشكل كبير في تكوين الطبقة المتوسطة و بذلك يمكن له أن يخلق لنا صيادلة ...أطباء ...محاسبين...أساتذة ...
و نتيجة لدراسة قامت بها المندوبية السامية للتخطيط أظهرت على أن الطبقة المتوسطة في المغرب هي التي تتوفر على دخل قار ما بين 3500 و 5300 درهم .
إن الطبقة التي يعول عليها في تحقيق التنمية غالبيتها تتوفر على رأسمال ثقافي يؤهلها للعب دور هام في خلق دينامية جديدة وتحولات في المجتمع ذلك أن هذه التحولات لها علاقة بالتحول الديموقراطي فهذا الأخير بشكل عام على مستوى العالم العربي هو المسؤول عن التحولات الاجتماعية فالتحرر و الديموقراطية و المساواة رهينة باستقلالية الطبقة المتوسطة . إن نمو الطبقة المتوسطة نجحت في تحديد الفساد و فصله عن تمسكه بالسلطة .
فإذا كان أصحاب السلطة شركاء في الاقتصاد يصعب على الشركات الأجنبية و المستثمرون الدخول إلى هذه الدول و العمل فيها حيث قال" إن السلطة المطلقة تتحول إلى مفسدة مطلقة"
و بما أن هناك سيطرة حكومية و سياسية منذ الستينات على دواليب السلطة في بعض الدول العربية كسوريا ...مصر...ليبيا ...هذا له انعكاس مباشر على العلم و المعرفة ، على المؤسسات الاقتصادية نتيجة لضعف الأطر و الكفاءات مما صعب مهمة الطبقة المتوسطة التي بقيت أسيرة بين الدولة و الأسرة الحاكمة .
هذا فيما يتعلق بالمداخلة المركزية للأستاذ شقرون ، أما فيما يتعلق بالأستاذ الدهان فقد أكد بأن السؤال المطروح في هذه الندوة هو سؤال جوهري و هو مشكل في حد ذاته يمكن له أن يؤدي بنا إلى "الانهيار".
وقد تساءل: هل لدينا جواب حقيقي عن هذا السؤال ؟؟؟ و هل حققت السوسيولوجيا بالمغرب إنجازا للجواب عن هذا التساؤل؟؟؟
في ستينات القرن الماضي كان السؤال المطروح هو كيف تم الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحداثي؟؟؟؟ و ما هي الإمكانات التي كانت موجودة أنذاك و المسؤولة عن هذا الانتقال؟؟؟
لقد حدد باسكون ثلاث أنواع من المجتمعات وهي "مجتمعات ناجزة" و "مجتمعات انتقالية " و "مجتمعات مركبة "هذ الأخيرة هي مجتمعات غير واضحة الآفاق و ليست لها طريق مهيئة و هي مجتمعات خليط بين أنماط إنتاج وقد صنف باسكون المغرب في هذا النوع.
نحن الآن في سنة 2010 هل يحق لنا طرح السؤال بنفس الطريقة .
هل المجتمع المغربي الآن له علاقة بالمجتمع المركب؟؟؟
يعتقد الأستاذ الدهان على أن أول سؤال يجب الإجابة عنه هو: ما موقع المغرب داخل المنظومة العالمية ؟؟ و ما الموضع الذي يحتله المغرب داخل العولمة؟؟
يقول كاستيلس أن الرأسمالية العالمية اليوم لا مركز لها و لا هامش بوجود الطرق السيارة الطويلة و أساطيل خطوط الطيران المتطورة و القطارات الفائقة السرعة أصبح العالم مترابط فيما بينه و بالتالي إذا لم يكن أي فرد
. مرتبط بالعولمة فهو مقصى . و هناك لوبيات طبعا تستفيد من هذا الوضع
إن المقاربة الاقتصادية تطرح نفسها بحدة داخل موضوع هده الندوة . إن انتقال المغرب من مجتمع مركب إلى مجتمع العولمة شيء مهم غير أنه هناك شيء آخر أكثر أهمية وهو عدم استفادة جميع الشرائح من هدا الانتقال.يعتبر الأستاد الدهان أن المدن المغربية هي" مختبر هائل" و "بركان" بكل ما تحمله الكلمة من معنى . هذا البركان يرتبط ارتباطا وثيقا بالهجرة الداخلية أي الانتقال من الباوادي إلى المدن.و الأسئلة التي يمكن طرحها في هذا الصدد هي :
إلى أي حد يمكن للدولة حل جميع مشاكل هذه الفئات الكبيرة و المهمشة . و ما تأثير ذلك على الحركات المجتمعية؟؟؟؟ ماهي التصورات السائدة في مغاربة اليوم؟؟؟ ما نوع الأفراد داخل المدن المغربية اليوم؟؟؟
إن مايقارب ال 100000 شخص من المرضى العقليين يتجولون في مدينة الدارالبيضاء لوحدها . وفي الحقيقة هذا رقم مخيف حقا
هناك قضايا مستعجلة يجب على السوسيولوجيين المغاربة التطرق إليها و تحليلها و تفسيرها إن السوسيولوجيين المغاربة في وضع يحسدون عليه فتعدد و تعقد المشاكل الاجتماعية و تشعبها تزيد من صعوبة فهم المجتمع المغربي فهذه مسؤولية فوق "فوهة بركان"
أما بخصوص الأستاذ منديب فقد عبر عن ارتياحه و سعادته لهذه المبادرة حيث يعتبرها مفيدة و تتيح المجال لالتقاء طلبة السنوات الأولى بطلبة الماستر و الدكتوراه من جهة و تعميق العلاقة بين الأستاذ و الطالب الجامعي بشكل عام من جهة أخرى
إن علم الاجتماع هو علم مفيد و لا يمكن خلق التنمية دون معرفة مسبقة بالمجتمع و التحولات التي يعرفها . ومن أهم مظاهر التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال الثلاثين سنة الماضية هو الانتقال الديموغرافي .
فإذا كان المجتمع المغربي قد استطاع خلق انتقال ديموغرافي خلال مدة ثلاثين سنة فإن الغرب قد حقق هذا الانتقال في 200 سنة . و ما يجب قوله في هذا الإطار هو أنه من الصعوبة بمكان خلق التنمية و التقدم دون التحكم في النمو الديموغرافي . فحسب الإحصائيات فقد سجل المغرب انخفاضا كبيرا في معدلات الخصوبة ذلك أنه في سنة 1969 سجل 7 في المائة كنسبة للخصوبة بمقابل2.5 سنة 2004 ومن ضمن العوامل التي ساعدت على تحقيق هذا الانتقال الديموغرافي تأخر سن الزواج ففي سنة 1960 كان معدل سن الزواج عند الرجال هو 24 سنة أصبح الآن 32 سنة .و بالنسبة للنساء كان 17.5 سنة بمقابل 26.5 الآن . بعد الاستقلال كان المغرب يعيش نموا ديموغرافيا سريعا و قد كانت كل الطروحات تتوقع بأن المغرب سيصل إلى كارثة ديموغرافية حقيقية إلا أن هده التوقعات و الفرضيات لم تكن على المستوى العالي من التنبؤ.
و قد تطرق الأستاد منديب إلى مسألة مهمة و ترتبط ب" الدينامية الإسلامية" الموجودة داخل المجتمع المغربي .حيث أكد على أن الخطر الداهم الآن هو بروز "الحركات الإسلاموية" هده الفئات تتسع و تتقوى داخل المجتمع المغربي ذلك انه يمكن أن تهدد بما قام به المغرب من تقدم منذ الاستقلال
في نهاية المطاف ، هذه الندوة و الندوات السابقة بشهادة الجميع تعبر عن مدى انفتاح الطلاب على الواقع الذي يعيشه المجتمع المغربي بكل مشاكله و قضاياه و الطلاب باعتبارهم منتمين إلى هذا المجتمع و جزء لا يتجزأ منه فإنهم معنيين بهذه الندوات و مطالبين بتحريك مثل هكذا أنشطة من أجل فهم هذا المجتمع الذي يبقى من الصعوبة بمكان فهم العديد من الظواهر المنبثقة و المترتبة عنه