dimanche 19 février 2012

كيف نفهم طرح مناهضي (مقاوموا) حركة عشرين فبراير ؟؟: مساهمة سوسيولوجية




        تحل الذكرى السنوية الأولى لتأسيس حركة عشرين فبراير ، سنة غيرت كل التوقعات و التكهنات التي كانت تتداول عشية تأسيس الحركة ، وقد كانت الأغلبية سواء أكانوا من الزعماء السياسيين أو النخب أو المناضلين الحقوقيين أو الجمعويين وغيرهم طيلة الإحدى عشر سنة التي مضت تتساءل عن الشكل الذي ستمارس فيه السياسة بعد وفاة الملك الراحل ، وشكل العلاقة الدستورية الجديدة ، أو بالمعنى الأصح نوع التعاقد الدستوري الجديد ، وقد كانت الأسئلة "المكولسة" خاصة للأحزاب تتساءل عن  الطريقة  التي ستؤسس لهذا التعاقد الجديد ؟ و نوع هذا التعاقد ؟ و هل سيكرس لملكية مطلقة ؟ أم أن الأربعين سنة من الارتباك و الاضطراب السياسي و التحكم و السيطرة التي عرفها المغرب في السابق كفيلة للمرور بهدوء إلى نظام ديمقراطي حداثي تتنافس فيه القوى السياسية بنفس القدر من الحظوظ و الفرص ؟؟؟
     لاشك أن السياق الإقليمي (تونس و مصر ، وليبيا فيما بعد) كان له دور كبير في تأسيس حركة عشرين فبراير ، بحيث كانت الظروف السياسية و الاقتصادية و السيكولوجية المحطمة مماثلة تقريبا في هذه المجتمعات  بالرغم من اختلاف طبيعة الأنظمة ، غير أنه على الأقل في الحالة المصرية و التونسية كان الوضع في كلا الحالتين خطيرا بمقابل ارتفاع معدلات الإحباط و التوثر بعد انتشار أنباء التوريث ( في تونس زوجة الرئيس، في مصر إبن مبارك) ، كان إذا لا بد من أن يكون المغرب داخل هذه السيرورة طالما أن  نفس الظروف و نفس الأوضاع تتقاسمها هذه الدول .  لكن ماذا حصل بعد نزول الحركة إلى الشارع ؟
   أول المعطيات التي يمكن استقاءها هو قدرة حركة 20 فبراير على تجاوز كل المؤسسات التي تتوفر على الشرعية لتمثيل المواطنين سواء الأحزاب أو النقابات أو منظمات المجتمع المدني ... ، و ربما كان هناك في السابق انتظار المبادرة بالقيام بالإصلاحات من طرف واحد دون التوقع بأن المبادرة ستأتي من  الطرف غير المتوقع (حركة 20 فبراير) . وقد اعترف "نظريا" بمشروعية مطالب هذه الأخيرة و التي رفعتها في المظاهرات و الاحتجاجات التي كانت مجموعة من المدن و القرى مسرحا لها ، و كما أن بعض هذه  الاحتجاجات تم مراقبتها بأعين رجال الأمن من بعيد،   فإن البعض الآخر منها لم يخلوا من التدخلات العنيفة  لهم فضلا عن التوقيف و الاعتقالات بالرغم من أنها لم تكن اعتقالات واسعة إذ تم حصرها في نطاق ضيق . هذا الاعتراف "النظري" ترجم بطرح دستور كانت معظم الفعاليات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية مشاركة فيه ، وقد تجاوزت بعض مواده و فصوله طرح أكبر المؤسسات السياسية في الدولة (بعض الأحزاب السياسية  الكبيرة) ، غير أن هذا الدستور و بحسب حركة عشرين فبراير لم يرقى للمطالب التي تنادي بها ، فما كان منها إلا الاستمرار في النزول إلى الشارع ، وقد كان لهذا القرار معارضة ، و مقاومة ترى بضرورة اختفاء حركة 20 فبراير  لأن ظهورها  و استمرارها غير مرغوب فيه لا مكانيا و لا زمنيا ، فكيف نفسر هذا الطرح ؟
الحــــركة و مـــعـــارضوها .
     لقد كانت هنالك مقاومة تتجه عكس السياسة التي كانت تنهجها حركة عشرين فبراير و هو ما تعرضت له الحركة من تهديد معنوي (تهديد رجل الشاقور مثلا ، الحركات المناهضة لحركة عشرين فبراير...) و تهديد مادي ( رمي المتظاهرين بالبيض و الطماطم و الحجر ...)  هذا فضلا عن التصاريح الرسمية لبعض وجهاء الدين و السياسة كالزمزمي الذي وصف أعضاء الحركة بالمثليين و الماركسيين اللنينيين و الملحدين ...[1]، وهناك تفسيران لهذا أحدهما أيديولوجي ( يدخل في إطار المعرفة العامية) و الآخر سوسيولوجي ، فأما الأيديولوجي فإنه يرى على أن هذه المقاومة تعبير عن جهل و أمية المجتمع و تفكيره "البدائي" الذي يعزز النزعة الاستبدادية و السلطوية فيه و يكرس للهيمنة و السيطرة  و يحطم قواعد المرور للديمقراطية . و أما التحليل السوسيولوجي فيرى على أن هنالك طقوس و ممارسات سياسية في أحيان و دينية في أحيان أخرى تعمل على إقناع و إرضاء و إغراء  المجتمع ، و هذه الآليات يمكن التنظير لها من زاوية العنف الرمزي[2] و هو ما يؤثر آليا على الأنظمة الأساسية كالأسرة و الشارع و المدرسة ، و الأنظمة الثانوية كالإعلام مثلا ، التي تفرض على الإنسان من خلالها ،  التطبع بأنماط سلوكية  و تبني أفكار و آراء معينة ، و تضمن استمرار تشبثهم بهذه الأنماط  التي يؤمنون بها  ، بل تعمل هذه الأنظمة  على تدعيمها و تعبئة الطاقات و الغرائز البشرية للامتثال لها بواسطة تبرير الأوضاع الاجتماعية و السياسية ، كما تعمل أيضا على الدفاع عن هذه الآراء و الأفكار  من كل انتقاد يمكن أن يوجه لها حتى يسلم الأشخاص أن الأنماط السلوكية و المعتقدات المفروضة عليهم هي أنماط طبيعية معقولة و مفيدة و مقدسة و أن الانحراف عنها هو إثم خطير و غير معقول و غير طبيعي ، هذا فضلا على المعاملات اليومية الاجتماعية و السياسية التي يمنح فيها التقدير و الاحترام و التفضيل للأشخاص الذين يمتثلون لهذه الأعراف و التقاليد الاجتماعية . و نتيجة لهذا يتم تقمص الأعراف الاجتماعية و الممارسات السياسية بصفة تلقائية من طرف الأشخاص و يعتبرونها نابعة منهم و يسود الاعتقاد أن هذه الأعراف تترجم أحسن من غيرها حاجياتهم و اختياراتهم و طموحاتهم  و يتم الإحساس بالتوثر كلما وجدوا أنفسهم في حالة تؤدي بهم إلى الخروج عن الأعراف المجتمعية ، و يعمل الشخص الذي يتبنى هذه الأعراف و يتقمصها من صلب إرادته بالدفاع عنها و بتلقينها للآخرين و إقناعهم للامتثال لها[3]. لذلك فالصعوبة التي يعتقد أغلب "الفبرايريين" أنهم يواجهونها أثناء طرحهم لمواقفهم و مطالبهم من خلال أشكال الاحتجاج الذي يمارسونه ليست صعوبات  سياسية فقط بل هي مجتمعية أيضا . و هو ما يؤكد إلحاح الكثير من الأشخاص و الحركات عدم إقحام عبارتي "الشعب يريد.." في خطبهم و احتجاجاتهم ، فحركة عشرين فبراير في نظرهم لا تمثل الشعب ، و هنا نطرح السؤال هل فعلا أن حركة عشرين فبراير لا تمثل الشعب ؟

 حركة عشرين فبراير بين التمثيلية و الرفض ؟
    تطرح بقوة إشكالية تمثيلية الشعب في المظاهرات و الاحتجاجات في المدن كما في البوادي ، بحيث ترفض فئات من المجتمع كما ذكرنا آنفا رفع الشعارات و المطالب باسم الشعب  خاصة من طرف حركة عشرين فبراير ، فكيف يمكن تفسير هذه الحالة ؟ لماذا يتم رفض ذلك ؟ و ما هي شكل هذه الشعارات التي ترفعها حركة عشرين فبراير  باسم الشعب إذن؟ و هل هذه الفئة الرافضة لذلك هي الجهة التي تمثل الشعب حقا ؟ و إذا كانت كذلك ، ما هي المطالب و الشعارات  التي ترفعها هي ؟
    لتفكيك هذه الحالة ، نستعين بالمقاربة التي طرحها الباحث السوسيولوجي آلان تورين الذي يقول بأنه إذا أردنا أن نقارب أي حركة احتجاجية يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ثلاث مفاهيم أساسية و هي : الهوية  ، و التعارض ، ثم الشمولية .
- الهوية  : يرى ألان تورين على أن  كل حركة احتجاجية يجب أن تحدد هويتها الذاتية سواء  كانت طبقة أو شريحة  اجتماعية ، فئة عمرية ...
- التعارض: من الضروري أن تكون كل حركة احتجاجية محددة للطرف الذي تعارض  بعض أو كل قراراته ، برامجه  و سياساته.
- الشمولية : و هو الأمر الذي يهمنا هنا ، وهو الذي يعني أن الحركة الاحتجاجية لها مطالب عامة تخص  كافة فئات المجتمع مطالب شمولية ، وهنا تكمن قوة الحركة الاحتجاجية التي تتوفر من خلال هذا المفهوم على إمكانية  تعبئة  المجتمع  بشكل واسع .  
   إذن تبقى شرعية الحركة هنا في تمثيل الشعب رهينة بشعارات و مطالب الفئات و الحركات التي تعارضها , و هنا نطرح السؤال هل من الممكن أن نتحدث عن  مطالب أقوى و أميز من إسقاط الفساد و تعزيز المساواة و الحرية و الكرامة ؟؟ يبدو أن الحالة أعقد من ذلك ، إن الفئات المعارضة لحركة عشرين فبراير ليست في الواقع ضدها ، رغم أنها تقول ذلك و رغم أنها تعترف به و تؤمن به ، وإلا فإنها تصبح ضد المفاهيم السابقة الذكر ،  إن هذه المعادلة السوسيولوجية تكمن في التالي : "إننا مع بشكل مطلق ، ضد ..." لا شك أن الحركات التي تعارض حركة عشرين فبراير  بمختلف الأسماء التي أطلقت على نفسها هي مع "السلطة الشرعية" لا تعارضها بل تؤيدها بشكل مطلق سواء أكانت المنجزات إيجابية أو سلبية صالحة أو غير صالحة ، و سواء كانت الأوضاع الحقوقية أو القضائية جيدة أو سيئة ، فهم في البداية و النهاية لا توجد  لديهم انتقادات موضوعية على السلطة و يعتبرون أنها تقوم بعملها جهد المستطاع ، و تتزايد حدة مناوأتهم لحركة 20 فبراير طالما أن احتجاجهم  عليها لا يواجه بالعنف الذي واجهه في بعض الأحيان  أعضاء حركة 20 فبراير في السابق ، وهنا "تتخندق" و تتموقع هذه الحركات في نفس الصف الذي توجد فيه السلطة ضد "الفبرايريين" بالرغم من أن لا أحد ينكر أهمية و دور المفاهيم الكونية الإنسانية  للمجتمع و التي ترفع في وقفات عشرين فبراير ، و لا تستطيع بدورها الحركات المعارضة لها أن تنكرها أو أن تزيلها ، إن هذه الأخيرة في الواقع و بوضوح تعارض أفراد حركة عشرين فبراير و ليس مطالبها ، وبالنتيجة يستنتج أنه طالما لحركة عشرين فبراير مطالب واضحة و موضوعية تشمل قضايا المواطنين فإن لها الحق في تمثيلهم . و طالما لا يفهم مناوئوها و معارضوها طبيعة و قيمة هذه القضايا  و المطالب ، و غلبة النزعة العاطفية عليهم يبقى مجال تمثيليتهم ضعيفا .


[1] انظر المجلة المغربية  Actuel لعدد 112 ليوم من 15 إلى 21 أكتوبر 2011 .
[2] عبد الله حمودي : الرهان الثقافي وهم القطيعة ص 306  (و للمزيد انظر كتاب عبد الله حمودي  "الشيخ و المريد") .
[3] محمد شقرون : محاضرات في علم الاجتماع كلية الآداب و العلوم الإنسانية الرباط 2011 .

mardi 14 février 2012

الفيزازي وجها لوجه أمام عصيد


الفيزازي  : المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تحت قدمي  .
عصيد    : المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نتيجة ل300 سنة من التجربة و الاقتتال الإنساني .


         لقد وجد الحوار الهادئ و العقلاني مكانه في المناظرة التي عمل معهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة على تنظيمها بين الشيخ الفيزازي و أحمد عصيد يوم 13 فبراير 2012 على الساعة الثامنة مساءا ، وقد كان تأثير عنوانها كافيا (مشروع الإصلاح المجتمعي بين الإسلام و العلمانية) لتغص كل جوانب أحد أكبر مدرجات المعهد بمئات الطلبة.
       وقد أكد الفيزازي (الذي يمثل الجانب الإسلامي) على أن العلمانية لم تكتفي بمهاجمة الدين بل حصرته من خلال التعبد و الممارسة الروحية فقط ، في حين أنه يدعوا إلى استعمال العقل و الاهتمام بالعلم فضلا على أنه يضمن للإنسان الحرية و المساواة و لا يشكل أي تهديد له ،و أضاف على أنه مع محاربة الفساد و الاستبداد و لكن انطلاقا من خلفية إسلامية .  و في رده على التحولات الآنية التي يعرفها العالم العربي ، قال الفيزازي بأن هذا الزمن هو زمن الإسلام الذي أدى إلى بروز واضح و كبير للحركات الإسلامية لم يستثنى فيها المغرب ، و ذلك من خلال تصدر حزب العدالة و التنمية الانتخابات التشريعية الأخيرة ، غير أنه رأى بأن هذا الحزب ليس هو  الإسلام كله ، وقد تمنى مجيء حركات إسلامية تطبق "شرع الله" أكثر حسب تعبيره ، بحيث اعتبر على أن المغرب لا يفرض الدين الإسلامي إذ أن  الدولة عاجزة عن تطبيق بعض مبادئ الإسلام (كالإعدام ، و قطع الأيدي ...) و تطبيق حق الردة حسب القانون الإسلامي وذلك لأسباب موضوعية . و قد تساءل عن الحقوق و مساحة الحريات  التي تضمن للبيراليين و الاشتراكيين و العلمانيين و السحرة في المغرب  بخلاف ما يضمن للإسلاميين الذين يتم التضييق عليهم  و يطلب منهم مراجعة أفكارهم و آرائهم؟ و أضاف على أن كل قانون لحقوق الإنسان (أشار إلى المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) لا يعترف به إذا كان يتجاوز العقيدة و المبادئ الإسلامية  التي أنزلها الله و التي يجب أن تسموا على كل القوانين الوضعية التي وضعها الإنسان .

       و من جهته اعتبر أحمد عصيد (ممثل الجانب العلماني) أن سبب تخلف المسلمين ليس في تخليهم عن دينهم ، بل عن تخليهم عن استخدام العقل وتعطيله في القرن الرابع  وهو إيذان بانحطاط الأمة  ، فالإسلام شامل لأنه مرتبط بالمجتمع البسيط و القليل التعقيد الذي ظهر فيه ، مضيفا على أنه لم يكن هناك تجديد فيه و اجتهاد مستمر يواكب التطور الإنساني الذي يتغير باستمرار ، و يتحمل مسؤولية ذلك الفقهاء الذين  فرضوا ثوابت و ضوابط على العقل حالت دون تجديدهم للدين . و أشار عصيد إلى أن العلمانية هي الإطار الوحيد الذي لا توجد فيه اقتتال داخل المجتمع و التي تضمن ثلاث ثوابت إنسانية علمية و سياسية و اجتماعية ، فأما علميا فالعلمانية تفرض على السلطة ضمان الاستقلالية للعقل ، و أما سياسيا فالدولة ملتزمة بالوقوف بنفس المسافة من كل الأديان و أما اجتماعيا فالعلمانية تضمن الاحترام و الإخائية داخل المجتمع لذلك يعتبر عصيد أن المغرب بحاجة إلى منع الهيمنة و الاستبداد باسم الدين من خلال ترسيخ العلمانية التي يجب أن تطبق وفق التقاليد المغربية مع عدم التعارض معها . فبالرغم من الهجمات المتكررة للإسلاميين على العلمانيين و المضايقة عليهم حسب عصيد فإن العلمانيين يدافعون عنهم و يساندونهم أثناء الاعتقالات التي تصدر ضدهم . و أشار إلى أن بعض القوانين الإسلامية مثل الرجم و الجلد و قطع الأطراف لم تعد مقبولة اليوم في ظل تطور الحضارة الإنسانية فضلا على أنها قوانين مرفوضة من بعض فقهاء الإسلام و هو الأمر الذي يثير التساؤل حول تماسك الفتاوى الدينية و توحدها.

mercredi 23 novembre 2011

عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس :في تفكيك الخطاب "الخصوصي" ، سوريا نموذجا


       تسارعت الأحداث في "العالم العربي" ، منتجة بذلك أوضاع كان يعتبرها البعض حتمية و بديهية الوقوع ،  نظرا لتسلسل النكسات ، و الأزمات ، الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ....، و تجدرها بعمق  داخل هذه المجتمعات ، حتى أصبحت معاشة يوميا ، وتحولت إلى ظواهر عادية لا تنفك أن تكون لها حلولا و بدائل عملية و عقلانية . و هناك فئة أخرى ترى أن قدر هذا "العالم العربي" هو هذا الوضع "المتخلف"(حكم قيمة) ، الذي لا مناص منه ، و التفكير في الخلاص منه قد يؤدي إلى أمور أعقد و أصعب بالتالي يجب التوقف و الاستسلام له ،  فهل هذا التحول عرضي أم قصدي ؟ ألم تحكم توجهات مختلفة هذه المجتمعات ، فهناك الاشتراكية ، و العلمانية ، و الإسلامية(شبه الجزيرة العربية و السودان) ...؟ لماذا كلها أخفقت في تحويل مجتمعاتها إلى مجتمعات ناضجة عقلانية في تنظيماتها و تدبيرها الاقتصادي و السياسي والعلمي و حتى في تفكيرها ؟ لماذا لا يوجد نموذج مثالي لأشكال الحكم في العالم العربي نجح في تطوير مجتمعه ؟ أفعلنا نحن أمام حتمية تاريخية لا مناص لها ؟ أم أنها فقط فترة انتقالية في الصيرورة التاريخية "للعالم العربي"؟
     عند مقاربة الحالة السورية نجد أنها تدعي الحفاظ على كرامة و قوة المقاومة و دعم ما يسمى ب "محور الممانعة" من جهة ، و من جهة أخرى هناك آليات و وسائل أريد بها ضرب هذا المحور و تشتيته عبر "جماعات مسلحة" تريد إسقاط الشرعية التي يتفق عليها السوريون ، بالتالي لا مانع في أن يقضى على بعض السوريين و التنكيل بهم في سبيل مواجهة "المؤامرة " . يتضح لنا على أن هنالك طرح ينتمي إلى ما يسمى ب "الخصوصية" يدافع من خلالها عن الثقافة القومية في مواجهة الأطماع الاستعمارية الغربية ممثلة في إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا . و يرى عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس في هذا الطرح على أنه فاقد للصواب ، "فإذا كانت مقولات الخصوصية حاليا صحيحة في المعطيات التي تنطلق منها فخلاصتها خاطئة" بمعنى أن إعادة إنتاج البنيات الاجتماعية و الاقتصادية و التعليمية و الفكرية ...المتخلفة التي تحارب فكر وقيمة  الإنسان و تناهضه ،فعلى أساس هذه الخصوصية ستؤدي بنا إلى الانغلاق .  لكن القيادة السورية الآن تدعي الانفتاح على أحزاب و مكونات المعارضة و القيام بإصلاحات ديموقراطية  من شأنها أن تفتح المجال للتعبير و خلق تعددية فكرية و حزبية بالبلاد إلى غير ذلك من الإصلاحات ، وهي دعوة مبنية على أساس غربي بمعنى أن الطرح البعثي دائما كان إقصائي و "عنصري" و هو ما يثبته الدستور السوري الذي يمنع أي تعددية  أو تمثيلية حزبية  إلا للحزب البعثي و مكوناته ، بالتالي هذه الازدواجية ، بين الاقصاء و التهميش الذي استمر لأربعين سنة و بين الإصلاح "الترقيعي" المستمد أصوله مما حققه الفكر الغربي من تطور ،هذه الازدواجية بحسب محمد جسوس هي "محاولة لإعادة بناء نموذج  رأسمالي غربي ولكن بطريقة كاريكاتورية مشوهة تعتمد على آليات لا شعورية و على مكبوتات قوية جدا".

       لقد استطاع النظام السوري أن يستمر لمدة تزيد عن الأربعين سنة ، وقد نمى و تقوى بفعل الفترة التاريخية التي مر منها العالم العربي خلال الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي بفعل الصراع مع إسرائيل ، وقد كانت هذه المرحلة تقتضي دعما جماهيريا للنخب سواء المدنية أو العسكرية لمجابهة العدو و النهوض بالأوضاع و الترسبات التاريخية المتخلفة التي نتجت عن قرون من الاستعمار و الانحطاط  ، لكن التحولات التي كانت منشودة لم يكن لها المجال لأن ترى النور .
     يرى محمد جسوس أن  النظام يجب أن يبنى على أساس القناعة و المشاركة و أن تكون القيادة مبنية على أساس الإنجازات لا الزعامات ، الإنجازات القائمة على إحداث الاستمرارية و التقدم . بالتالي الارتكاز فقط  على "المنطق الثقافي الإديولوجي" الذي يعتقد من خلاله الأفراد أن لا مناص لهم من الخروج من أزمتهم أو الاعتقاد أن الفقر و الاستغلال و الضعف و استمرارية النظام "الديكتاتوري" هو أمر محتوم لا مراد منه و أن محاولة  تجاوزه يؤدي إلى المزيد من تفاقم الأوضاع ، هو ارتكاز لا أساس له من الصحة بالتالي فالخيار اليوم حسب محمد جسوس هو "الاندماج في التاريخ بكل مكوناته و مجابهة سلبياته و محاولة فرض ما لنا من قيم و اختيارات أما ما عدا ذلك فهو الظلام المطلق و هو فقط تحطيم بدون عناء و هو أيضا تكريس للأوضاع الراهنة".

dimanche 17 avril 2011

السوسيولوجي المغربي ادريس بنسعيد:" الثقافة ، في المتن الإيديولوجي ليس لها أي سند تاريخي أو علمي "




أكد عالم الاجتماع المغربي ادريس بنسعيد على أن المجال السياسي  الإديولوجي يغذي النزعة الإقصائية للثقافات الأخرى التي توجد داخل المجتمع الواحد كما تؤكد ذلك الدراسات الأنثروبولوجية .

ففي لقاء  في إطار الدورة الثالثة  لمهرجان سلوان الثقافي ، بالخزانة الصبيحية  مساء يوم الجمعة 15 أبريل 2011 ، تحت عنوان "الثقافة و تعدد الهوية المغربية" بتنظيم من "جمعية سلا المستقبل "، أكد بنسعيد على أن  الوضع الحالي الذي يعيشه المجتمع المغربي يفرض علينا النظر و مساءلة الأدوات السوسيولوجية لمدى إجرائيتها و قدرتها على فهم الواقع ، معتبرا على أن النقاش الثقافي الذي رفعت شعاراته في الحركات الاحتجاجية لا يعد ثانويا أو تكميليا بقدر ما  هو أساسي و جوهري .
      وقد حذر من الانفلات في استخدام المفاهيم الأشد استعمالا خاصة ما يتعلق بالهوية و الثقافة  عندما  ينتقلان فيه إلى المجال السياسي . فالثقافة من المنظور الأنثروبولوجي هي كل ما ينتجه المجتمع و ما يستهلكه من رموز و تعبيرات و قيم قد تتجسد في حوامل مادية أو حوامل لا مادية .  و من  هذه الناحية أي الناحية  العلمية، فالمجتمع هو مزيج بين مجموعة من الثقافات  تتحول و تتغير بصفة مستمرة  و لا يمكن أبدا في هذا الإطار التعاطي معها بالمفرد  .  غير أنه من الناحية الإديولوجية الأمر مختلف ، تفرض النزعة الفردية للثقافة الواحدة التي تصبح المعيار الوحيد للحكم بصلاح أو فساد  باقي الثقافات الأخرى ، و تشتغل في إطار التوحيد و يتم تحويلها إلى ثوابت مقدسة ، كما تفرض التراتبية الثقافية باعتبار وجود الثقافة العليا و الأخرى الدنيا   التي لا قيمة لها ،  مما يكرس الإقصاء و التهميش لباقي الثقافات الأخرى ، فالثقافات في الأصل متساوية من ناحية القوة ، و تراتبها و تمايز الواحدة على الأخرى مرتبط ارتباطا وثيقا  بالهيمنة الاقتصادية و السياسية و الاستحواذ على سلطة القرار  . وقد نبه في هذا الإطار الأستاذ بنسعيد على طغيان ذلك على المجتمع المغربي المتعدد الثقافات ، و حذر من الثقافة التي تعتبر نفسها الوحيدة الحاملة  لقيم المجتمع المغربي  و الثقافة  الوحيدة  التي تعبر عن أصالة هذا المجتمع . كما اعتبر "أن المتن الإيديولوجي مؤسس لأوهام كبرى و لأصالة ليس لها سند تاريخي أو علمي و إنما على أصالة مبنية إيديولوجيا   تتحول تدريجيا إلى أداة  من أدوات الصراع السياسي ".
   أما فيما يتعلق بالهوية ، فقد اعتبر بنسعيد أن  هذا المفهوم ، مفهوم فلسفي فضلا على أنه مفهوم إديولوجي ، و ليس بواقع تاريخي أو اجتماعي بقدر ما هو بناء و يتخذ شكلين ، شكل أول و هو ما يسمى بالهوية العمياء  وهي أن هوية المجتمع  لا توجد فيه  ولكن توجد خارجه و خارج التاريخ ، كما أنها  توجد في تاريخ لا تاريخ له و  في زمن لا زمن له  أو في زمن يتم بناؤه ،  بالتالي لكي نتماها  مع هويتنا و مع أصالتنا يجب أن نرجع إلى هذا المرجع ، الذي نبنيه دائما إلا أنه لم يتحقق . و الشكل الثاني ما يسمى بالسلفية أو الأصولية و هو اختيار عصر معين أو زمن معين و اعتبار أنه الزمن المرجعي  و العصر المرجعي ، فهويتنا هي عندما نرجع إلى  تلك الفترة  المحددة كما بنيناها ، و هذه المقاربة السلفية متعلقة بالحركات الدينية المتفرعة خاصة من البروتستانتية  في أوروبا و بصفة أخص  في أمريكا  . في هذه الحالة تصبح هوية أي مجتمع من المجتمعات  هي بناء  تتدخل العديد من العناصر  فيه  و من جملتها  العناصر الثقافية.
   أما من جانب اللغة ، أكد بنسعيد على أن اللغة الفرنسية هي المفتاح الذهبي في كل الإدارات و تمارس بشكل مباشر من طرف النخب ، و هو أمر مقلق  للغاية ، كما أن نضال الجمعيات و الحركات الأمازيغية من أجل اعتبار ثقافتها ولغتها كأساس تشترك فيه مع العربية داخل المجتمع المغربي ، ينظر إليها بشكل غير إيجابي و تسقط عليها أحكام ليست موضوعية و منطقية. و هو أمر يستدعي تعميق المعرفة ، و الاهتمام بالشكل الكافي بالثقافات المغربية.

samedi 12 mars 2011

السوسيولوجي ادريس بنسعيد : " الشباب هو طاقة خلاقة و هدرها مغامرة كبيرة للمجتمع المغربي آنيا و مستقبلا "ا




          حذر الأستاذ ادريس بنسعيد من  تهميش الشباب ، و اعتبر أن  الاستمرار في إقصائه مسألة لن تجدي نفعا في أي شيء ، بل  ستزيد من إنتاج  المشاكل  و الإشكالات  العميقة و المقلقة  للمجتمع المغربي  في حاضره و مستقبله .   
    ففي محاضرة له بكلية الآداب و العلوم الإنسانية ابن طفيل بالقنيطرة  يوم الجمعة 11 مارس ، في درس سوسيولوجي تحت عنوان " الشباب و التغيرات السياسية و الاجتماعية بالعالم العربي" أكد بنسعيد على أن  أحداث و تفاعلات 20 فبراير هو أمر لا يمكن تجاوزه لا على مستوى الواقع و لا على مستوى التحليل .
    و في تحليله السوسيولوجي للأحدات و التطورات الراهنة بالمجتمع المغربي و ما  يعرفه  من تحولات  ،  وظف  الاستاذ بنسعيد مقاربة  سوسيولوجية    لموضوع الشباب في ديناميته داخل المجتمع المغربي ، و يتمثل ذلك في ثلاث مستويات إبستيمولوجية  ، و هي الفهم ، و التفسير ، ثم  مستوى الفعل.
    و قبل المرور للمستوى الأول كان  لا بد  من تحديد المفاهيم ، و المفهوم الأبرز في هذا الموضوع هو الشباب ،  فعلى المستوى السوسيولوجي يعتبر مفهوم الشباب حسب بنسعيد مفهوما ليس له حدود واضحة و مضبوطة ، و عليه فمن الصعوبة بمكان تحديده هذا علما أن الخصائص البيولوجية و العمربة  لا تهم علم الاجتماع بقدر ما يهم خصائص  هذه الفئة  خاصة داخل المجتمع المغربي .  و بالرغم من كل ذلك فإنه من  الملاحظ شبه إجماع على توصيف الشباب من طرف الفئات الاجتماعية الأخرى غير الشباب باعتبارها فئة منتجة للمشاكل بل هي مشكل في حد ذاتها .  وقد عرف المجتمع المغربي مجموعة من التحولات في عدة مداخل أهمها العزوبة و الذي سجل  في هذا المدخل تغيرات  على مستوى  مؤشر سن الزواج حيث ارتفع  من 17.5 سنة في  1960 إلى 29 سنة في 2004 بالنسبة للإناث ، وهو ما يفسر أن الزواج كآلية من آليات الاندماج الاجتماعي  كما تعتبر ذلك المجتمعات التقليدية  أصبح مؤجلا ل10 أو 15 سنة  ، بالإضافة ذلك هنا تغيرات على مستوى التمدن ، فمن نسبة  29 في المائة  التي كان يشكلها المجال الحضري سنة 1960 إلى 54 في المائة سنة 2004 ، و هذا المعطى  نتيجة للهجرة التي أدت إلى خلق العديدة من المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية من انتشار لمدن القصدير و العنف ، و ارتفاع نسب الجرائم  ...إلخ .
       و بحسب الأستاذ بنسعيد فقد لعبت مجموعة من العوامل  في تهميش الشباب و تذويب طاقاته و قواه الإبداعية ، فعلى المستوى الاجتماعي الشباب مقصي من الأسرة و الحق في تأسيسها  ، و مقصي في اتخاذ القرار ، مما حدا به إلى إنتاج قيم و لغة و إشارات خاصة به . وبالإضافة إلى الإقصاء  الاجتماعي هناك الإقصاء الاقتصادي  الذي و بالرغم من عدم توفر المغرب على ثروات طبيعية فإن لديه ثروات بشرية شابة لا تستثمر بشكل جيد يتيح لها الاندماج اقتصاديا داخل المجتمع مما يؤدي إلى هدرها , و هو ما ينتج عنه البطالة  ... و الفقر ... ،كما يمكن إضافة الجانب المؤسساتي الذي يشكل هو الآخر آلية لإضعاف قوة الشباب و عدم الاستفاذة من تجاربها من خلال ضعف البنية التعليمية التي أصبحت مقتصرة على التعليم فقط ، و لم تعد تحمل أي مشروع تربوي خاص بها ، ما يؤدي إلى تفشي قيم سلبية كالغش و التغيب المستمر ...  ، هذا  دون الحديث عن دور الشباب التي  ما فتئت   تعتني بالأطفال و المراهقين على حساب الشباب . و لعل الإقصاء السياسي لهو أبرز المجالات التي يعاني منها الشباب ، فتحكم النخب القديمة في هذه الأحزاب و الصراع مع الشبيات المنضوية تحت لوائها ، فضلا عن فرض وصاية على الشباب من أجل الاعتراف به و بقدراته ، دون نسيان على أن هذه الأحزاب تعيد إنتاج الأفكار القديمة وهو ما نتج عنه عزوف سياسي كبير خلال انتخابات 2007 .
     إذن فالفئة الشبابية حسب الأستاذ بنسعيد هي مقصية و مهمشة إلى حدود كبيرة داخل المجتمع المغربي ، مما يفرض عليها الانتقال إلى آليات فعالة  تفتح لها الآفاق للتعبير عن أفكارها و تصوراتها ، و تأكيد وجودها ، و من ضمن هذه الآليات  العالم الافتراضي الذي يخول لها الاندماج بشكل يذوب كل معاناتها مع العالم الواقعي ، بالإضافة إلى ذلك  اتخاذ هذه الفئة الاحتجاجات كشكل من أشكال التعبير عن تصورات و طموحات لم تكن لتلبى داخل المستويات المهمشة فيها ، و هو ما أكدته حركة 20 فبراير .
   وقد عبر الأستاذ بنسعيد عن هذه  الحركة كونها تحتضن شكلين من الشباب ، شباب الصباح الذي ينتمي إليه الشباب  المتعلم و المثقف ، و الجامعي ...رسالتهم كانت تستهدف التبليغ على أن زمن المعاناة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية قد انتهي و المفروض  رفع كل الحيف و الضيم على كل القرارات و القوانين المجحفة و أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر  . و بالموازاة مع شباب الصباح هناك شباب المساء الذي يعاني بقدر كبير من التهميش و الذي و بعد انقضاء المسيرات الاحتجاجية خرج   ليبلغ رسالته بشكل مغاير متمثل ذلك بالعنف .
    أمام كل هذه الاعتبارات ، أكد بنسعيد على أن الشباب  طاقة خلاقة و هدرها  مغامرة كبيرة بالنسبة للمجتمع المغربي آنا و بصفة خاصة في المستقبل ، فبالرغم من الإصلاحات التي أعلن عنها و التي قدمت ، فإصلاح هذا الإشكال يستدعي شجاعة فكرية و حزبية و سياسية  عميقة ، فاسترجاع هذه الثقة للشباب و بالتالي اندماجه داخل المجتمع  رهين بالإنصات إليه ، و إلى مشاكله و تصوراته و أفكاره التي يطرحها و التي يريد التعبير عنها و تطبيقها ،  فإقصاء  سبعة ملايين مغربي  هو حيف يصفه بنسعيد بالأمر الخطير لما قد ينتج عنه مستقبلا من نتائج مقلقة و مجهولة ، إذن فضرورة الإصغاء للشباب هي ضرورة أكيدة  لاحتواء المخاطر التي قد يتمخض عنها ، و هذا الإصغاء يجب أن يكون عبر قنوات و مؤسسات ذات شأن وازن كالإعلام و مؤسسات الدولة ...و الجامعة ...
    فالثقة بين هؤلاء الشباب و المجتمع يؤكد بنسعيد هي ثقة مفقودة ، و من أجل استرجاعها لابد من صدمة سيكولوجية  تعيد الاعتبار لفئة الشباب ، و تعزز من فرص تأكيد وجوده و تحقيق مطالبه  التي يستهدفها .

mercredi 9 mars 2011

الأستاذ عبد الرحيم العنبي " التحولات التي يعرفها العالم العربي ، هي تحولات قيمية و ثقافية جديدة "


     


   في خضم  التغيرات الاجتماعية و السياسية التي تميز العالم العربي في هذه الآونة ، و في ظل الظروف المتسارعة التي تشهدها المنطقة ، عمل منتدى ابن خلدون لعلم الاجتماع بكلية الآداب و العلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط  ، يوم الخميس 3 مارس 2011 انطلاقا من الساعة الثالثة بعد الزوال ،  على تنظيم ندوة تحت عنوان :" الحراك السياسي في المجتمعات العربية والمغاربية "  بحضور عبد الرحيم عنبي أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب و العلوم الإنسانية ابن زهر  بأكادير .
     و لقد اعتبر الأستاذ عنبي أن الحديث عن هذا الموضوع في هذه الظرفية الدقيقة و الحساسة ، هي إشكالية للجامعي، و  خاصة للسوسيولوجي من أجل الإجابة عن أسباب و عوامل  هذه  التغيرات و التحولات العميقة التي يعيشها العالم العربي .
  وقد وظف الأستاذ عنبي مقاربة تقارن بين الاحتجاجات و الانتفاضات التي كانت تشهدها المجتمعات العربية منذ عقود ، و الحركية الاجتماعية الراهنة ، بحيث تدخلت مجموعة من التغيرات في جعل هذه الحركية تختلف عن سابقتها ، فانتشار التمدن و اتساع المجال الحضري على حساب المجال القروي  شكل نضجا فكريا لهؤلاء المحتجين و وعيا مكنهم من معرفة حقيقية أكثر  لواقعهم  ، علاوة على التحول الثقافي العميق المعبر عنه بالتكنولوجيا الحديثة و وسائل الإعلام و الإنترنت التي كسرت حواجز الحدود  الثقافية . هذا فضلا عن المدخل الديموغرافي الذي هو الآخر عرف تحولا  كبيرا  خاصة في قاعدة هرم الأعمار التي تعرف اتساعا كبيرا للفئة الشبابية التي كانت حاضرة بقوة و مهيمنة على هذه الانتفاضات.  و لم ينفي الأستاذ العنبي وجود الانتفاضات و الاحتجاجات السابقة في العالم العربي ، وانتقد فكرة  بروزها الراهن كشيء جديد على هذه المجتمعات -كما يعتبر ذلك الإعلام-  ، فحين تكتمل الشروط و تنضج لتكون هناك انتفاضة فستكون هناك انتفاضة بالرغم من ظهورها في مواقع معينة في العالم العربي ، بمعنى أوضح لا علاقة بالانتفاضات التي يعرفها العالم العربي بعضها ببعض إلا إذا كانت هناك أوضاع تحتمها و تفرضها  ، و هذا الحراك  لا يجب أن يتعامل معه  على أساس سلبي بل هو مؤشر على جملة من القضايا و المشاكل التي تعاني منها هذه المجتمعات .
    وبحسب الأستاذ العنبي فقد لعبت مجموعة من الاختلالات في تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و على الخصوص السياسية و الحقوقية ،  و تتمثل هذه الاختلالات في انعدام التواصل بين الدولة و النخب السياسية  التقليدية  التي  لا زالت أسيرة لمجموعة من التصورات  الكلاسيكية لتدبير الشأن المحلي من جهة ، و فئة الشباب التي لها مطالب و تصورات جديدة ، بحيث أن هذه الفئة لا تجد الفضاء الفعال و الحقيقي للتعبير و تفعيل آرائها ، مما يضطرها إلى اتخاذ الأسلوب الاحتجاجي ، هذا علاوة على تهميش دور الهويات المحلية الصغيرة  التي تريد هي الأخرى التعبير عن همومها و حاجياتها و مطالبها في الاندماج داخل المجتمع بما يقتضيه ذلك  من حفاظ على ثقافتها و مساهمتها في اتخاذ القرار . بالإضافة إلى كل ذلك يبقى حسب العنبي الاختلال الكبير هو الانهيارات المتتالية لمؤسسات الدولة ، بحيث أن هذه الدول منذ الاستقلال لم تستطع بناء دولة المؤسسات، فالزبونية ..وغياب التداول الديمقراطي للحكم ...و الرشوة ... و التزوير ...و المحسوبية والشبكات القرابية من المستوى العالي ،  تهيمن و تسيطر على اتخاذ القرارات ، و تتحكم في اقتصاديات بلدانها  مما يكرس التذمر و الرفض داخل المجتمع .
    و لكل ذلك يقول الأستاذ العنبي ، من المفروض تغيير أشكال التعامل مع الشباب و اعتباره فاعلا أساسيا  ، و خلق شبكات للتواصل معه  و إدماجه في مؤسسات الدولة و الأحزاب ، و الاعتراف بوجوده  ، بالطريقة التي  تعكس تعامل فرنسا مع هذه الفئة بعد سنة 68 ، لا التعامل معه كمستهلك .
   إن التحولات التاريخية التي يعرفها العالم العربي  ، هي تحولات  جديدة ، قيمية و ثقافية ..لحقوق الإنسان ...و الحرية ...و الديمقراطية  ، و عليه مطلوب القيام بدراسات سوسيولوجية على غرار فرنسا 68 ، تستهدف مقاربة الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالحركات الاجتماعية و الحراك السياسي و الاجتماعي داخل المجتمعات العربية  على أساس معرفي و علمي .

dimanche 13 février 2011

الجملكيات العربية ، لقد نسوا بأن الليل مصيره الانجلاء و الديكتاتورية إلى الزوال




      لم يكن يتوقع أكثر المتشائمين في العالم العربي  ، أن يصل يوم تكون فيه معظم الأنظمة العربية  في موقع  بئيس ،  هزيل، و  تحت منطق الهزيمة و إثبات فقدان الشرعية . و لم يكن أحد ليستطيع التفكير و لو لثوان معدودة في الدمار الذي لحق ببعض هذه الأنظمة التي ظهر  و على مدى طويل جدا على أنها لم تكن تعبر عن إرادة الشعوب و لا لتطلعاتها في إحقاق الحق و الديمقراطية و  تثبيت الحريات العامة و الفردية و تطبيق القوانين و العمل على  خدمة الشعوب و الدفاع عن مصالحها ، إن هذه الثورات و الانتفاضات ، لهو أكبر دليل على غش و تحايل و الشطط في استعمال السلطة  التي مارسته هذه الأنظمة ، وفي هذا نستحضر بعض الأحداث التي عرفتها هذه الانتفاضات و التي شكلت عوامل و أسباب غيرت مسرى التاريخ و قلبت في أيام معدودة نظاما بائدا مستبدا ديكتاتوريا .
        سنتناول في هذه المقالة بالأحداث و تفسيراتها لانتفاضتين أو بالأحرى ثورتين تاريخيتين لشعبين رزخا تحت حكم رئيسين  لعشرات السنين ، تونس 23 سنة ، و مصر 30 سنة ، و كيف أنهما يتقاربان في أشياء كثيرة  لا على المستوى السياسي أو الحقوقي و حتى البنية الاجتماعية إلى حد كبير .
     تعددت أسباب سقوط الرئيس بن علي ، و النظام الذي كان يديره و ذلك لارتكابه أخطاء تاريخية حسبت ضده ، غير أنه و بالرغم من ذلك و إلى حدود الشهور الأخيرة من السنة الفارطة سنة 2010 ، كانت تتقاطر التقارير الإقليمية و الدولية تظهر أن المنهج الاقتصادي التي تتبناه الحكومة التونسية يساهم فيما لا يدع مجالا للشك في ازدهار البلاد و تقدمها على مستوى مؤشر التنمية البشرية ، لا بل الوضع الاقتصادي لتونس أفضل حال من اقتصاديات  بعض الدول الأوروبية مثل البرتغال و إيطاليا و اليونان حسب تقرير دافوس السنوي لسنة 2009 ،إن الاقتصاد محور فقط من المحاور التي استهدفت الدولة التونسية تنميتها ، ذلك أن هناك مجموعة من القطاعات شملتها التنمية كقطاع الصحة و التعليم و نجاعة سوق الخدمات ....إلى غير ذلك من المجالات و الميادين و القطاعات ...وإذا كان  الوضع  القوي لتونس على مستوى التنمية الاقتصادية و التعليمية حاضرا و مهما و مؤثرا  في منطقته الإقليمة ، فإن الاقتصاد المصري لا يقل عنه أهمية ذلك أن هناك مجموعة من القطاعات تساهم بشكل كبير و وازن في إنعاش الناتج الداخلي الخام ، فالاعتماد على السياحة و الزراعة و استغلال الموارد الطاقية التي تزخر بها مصر و تشجيع الاسثمارات الخارجية و بناء قوة صناعية قوية و إعلام كبير و مؤثر ، كل هذا لعب دورا بارزا في تقدم مصر و نمائها و احتواء مجموعة من المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية وهو ما أضاف لها نقاطا مهمة في التنمية البشرية التي تنهجها . إذن لماذا الثورة ؟
      قبل أن نتحدث عن تطورات الثورة  التونسية  و الثورة المصرية و تداعياتهما و النتائج التي أفضت إليهما و التي قد تتوضح   في مستقبل الشهور المقبلة ، باذء ذي بدء ، سنحاول التطرق لأهم الأسباب التي كانت مفصلا في انفجار هذين الثورتين  الشعبيتين إلى العلن و إلى الواقع ، و لعل من أقوى هذه الأسباب  في الجانب  التونسي هو  23 سنة من حكم زين العابدين بن علي ، بحيث أنه لم يتصور  أن الأجيال التي كانت تتوالى قد  تجاوزها بسنه و  أنه وصل إلى 75 سنة ، بمعنى أوضح أن السياسة –بشكل عام – التي كانت تمارسها الدولة سواء ذات المصلحة الفردية أو الجماعية ، لم تعد تفيد الواقع ، و تكاد تكون تتناقض مع تطلعات المجتمع ، أكثر من ذلك ، الإحباط و التذمر الذي ساد داخل المجتمع و المعارضة الذي تمثله و كل الأطياف الحقوقية  عندما سادت أخبار تؤكد على  تولي زوجته ليلى مقاليد السلطة بعده سنة 2014 بطبيعة الحال عن طريق          " انتخابات رئاسية"  و هو ما  يبرز أن إدارة الدولة تنتقل من شخص إلى آخر داخل أسرة واحدة و لها نفوذ واسع داخل البلاد ، و هو ما يؤكد أيضا أن كل أشكال الترهيب و المكر السياسي الذي مورس من قبل سيمتد إلى ما لانهاية ، مما يحتم على الشعب البقاء في الوضع نفسه لا جديد و لا تحول يلوح في الأفق . و بالضبط هذا ما  يقع في الأنظمة العربية الأخرى  و في مصر تحديدا ، فقد تمسك مبارك بالسلطة لمدة 30 سنة  منذ سنة 1981 ، على إثر اغتيال السادات ، فمنذ ذلك الحين وهو يؤكد على التغيير و نحو المجتمع الأفضل،  و نحو ديموقراطية و حرية أكثر غير أن ذلك كان بشكل عكسي كلما دعا إلى الديموقراطية كلما كانت الديموقراطية تتدهور و الحرية تتأخر إلى أن أصبحتا تشكلان نذرة في تلك المجتمعات  ، و قد ترددت أيضا أنباء عن ترشح إبنه جمال لرئاسة مصر ، الشيء الذي كرس الإحباط و التوثر و القلق في الشعب المصري باعتبار أنها لم تصبح دولة بنظام جهموري بل أصبحت إلى جانب تونس و أنظمة عربية أخرى  " جملكيات " بمعنى أنها نظام جمهوري لكنه متوارث عبر أسرة واحدة تمرر الرئاسة فيها من فرد إلى آخر ، و بالتالي إقصاء الشعب بكامله في تحديد نوع الرئيس المختار و المجمع عليه . هذا إذا اعتبرنا أن في الانتخابات يتم التزوير و الرشوة  و كل أشكال الفساد الأخري و استعمال جميع الوسائل التي تستهدف نجاح شخص بعينه في الانتخابات . و نستنتج من هذا أن هناك مافيات سياسية فاسدة لها مصالح مشتركة في عدم فتح أي فرصة لأشخاص آخرين للفوز بالانتخابات ، بحيث تبث من خلال العديد من التقارير الدولية و المخابراتية أنه في تونس و مصر  هناك أفراد و  عائلات محددة لم تكن في السابق تمتلك الأموال و الثروات الهائلة من قبل و في فترات وجيزة أصبحت تتحدث بالملايير و تمتلك يخوتا و قصورا و فنادق بملايير الدولارات  نتيجة لسرقة الأموال العامة و تفويت أراضي بأثمان بخسة لكبار المستثمرين ، في حين أن الشعب يرزخ تحت نير البطالة و الفقر المدقع ، و القهر و الاستبداد و التهميش و الإقصاء و ازدياد الهوة بين  الفقراء و الأغنياء و استحواذ الأغنياء على النصيب الأكبر من  ثروة البلاد والتحكم في  المال و  السلطة و النفوذ  . و ما ينتج عن ذلك من تقهقر علمي و فكري و معرفي جراء الفساد الذي يحتم هذا التقهقر لألا  يكون هناك فئة  من الأشخاص الذين يستطيعون استخدام عقولهم لتفسير الأنساق السياسية و الاجتماعية التي تعيش فيها معظم الشرائح الاجتماعية قهرا و قسرا  و هو ما يؤكد على التراجع المستمر و الكبير للدور الفكري العربي في هذا الشأن ، و لعل أبرز دليل هو ما جاء في قول أحد السوسيولوجيين المغاربة أنه إذا كان الغرب يعيش أزمة فكر فإن العالم العربي يعيش أزمة الأزمة.

     فهما إذن نظامين ديكتاتوريين شموليين  يتحكم فيهما  الحزب الواحد و هو الحزب الدستوري في تونس و الحزب الوطني في مصر ، و من أجل إعطاء تلك الصورة القوية للحزب ، فمنتسبي كلا الحزبين يتجاوز الثلاثة ملايين منخرط و معظمهم من رجال الأعمال ، و الموظيفين المقربين من السلطة ، و لا مجال لأبناء الشعب للدخول في هذه الدائرة التي تحدد شروطا  للانتماء إليها  لا توجد إلا عند أشخاص معينين ، و ذلك  من أجل القطع مع أي شخص له رغبة في الانتقاد  و المعارضة . ثم من جهة أخرى  إرسال رسالة  للرئيس بأن كل شيء متحكم فيه و مسيطر عليه من لا من الجانب الاقتصادي و التجاري و لا من الجانب الأمني الذي يراهن عليه كثيرا و هو الجانب الذي تبدع و تتفنن فيه هذه النخبة ، فلا وقت لديها لتتفرغ و تنصت إلى هموم الشعب و تعمل على سد حاجياته ، فمصر مثلا بين الحين و الآخر تجتاحها أزمة " رغيف العيش " و ذلك إما لتدني جودته أو لزيادة سعره أو أن العرض لا يوافق الطلب  ، و رغيف العيش هو أبسط الأشياء التي يفترض أن تعمل الدولة على توفيرها ، و على العكس من ذلك تماما فهي تقدم و بكل سهولة الأمن و القوة البوليسية للشعب ، فعديد الاعتقالات بين صفوف الإسلاميين و الشيوعيين في تونس و أحكام مجحفة في حقهم تصل إلى المؤبد ، زد على ذلك نفي العشرات إلى خارج البلاد ، أما في مصر لم تكن الأمور  أقل مصادرة للحرية من تونس  ، فاعتقال و اختطاف المئات خاصة من جماعة الإخوان المسلمين ، و التعذيب  ، و خرق القوانين و الدستور ، إلى درجة قتل العشرات من المواطنين تهمتهم الوحيدة  أنهم وجدوا في طريق  أفراد الشرطة و المخبرين ، وخير مثال على ذلك أشهر جريمة نكراء تلك التي تعرض لها خالد سعيد و هو شاب مصري عذب و ضرب إلى حد الموت أمام الملأ و أمام أصدقائه و عندما طلب  منهم سبب قتلهم له ،  قيل بأنه كان يمتلك قطعة من المخدرات ، و هو الذي تم نفيه من طرف أصدقائه ، و حتى إذا اعتبرنا أنه كان يمتلك قطعة من المخدرات هل من المفروض قتله بهذه البشاعة أمام الملأ ؟ أليس هناك قضاء و محاكم ؟ ثم ما ذنب هؤلاء و أولئك ؟ لما يقتلون ؟ لماذا يعذبون ؟ لماذا يذبحون ؟  إنهم لا يتوفرون على حرية و لا ديموقراطية ، فالسجون تملأ أعداد كبيرة منهم .
     لقد استطاع الحزبين الدستوري في تونس و الوطني في مصر من تدجين المجتمع  بكامل فئاته و شرائحه قسرا ،  لقد عملا على إضعاف المعارضة ، بحيث قاما باجثاثها و محو أي نشاط لها و السيطرة عليها و إقهارها ، فالانتخابات هي في نهاية المطاف اكتساح واسع للحزب الحاكم و دونه تبقى الأحزاب الأخرى فقط في نظر الحزب الحاكم ،  إما أن أفرادها هم خونة و عملاء لأطراف خارجية أو أنهم يريدون ضرب أمن و استقرار البلاد و تطورها و نموها ، إذن فهم ليسوا أهلا للدفاع عن الشعب ، لذلك سجلنا أن لا معارضة في تونس لا نقابات و لا أي منظمات  ضد السلطة باعتبار أنها مفتتة سابقا بشتى الطرق إما ترغيبا أو ترهيبا أو تزويرا ، إما باللين أو بقوة البوليس ،  كالذي جرى في مصر و هو موثق بالصور و التقارير  بحيث التزوير في الانتخابات جعل القضاء يحكم ببطلان  العديد من النتائج أكثر من  1000  قضية  تتعلق بالانتخابات رفعت في هذا الشأن تم تأكيد الفساد فيها غير أن تنفيذ هذه الأحكام لم تفعل من خلال السلطة التنفيذية مما جعل من الأحزاب المعارضة  تتذمر  ، مما أدى بأن لا تكون هناك  معارضة في البرلمان بتاتا فقط خمسة أعضاء ، و ذلك للتفويت و التصويت على   قوانين في الأصل لصالح فئة معينة ،  فدستور مصر يحدد قائمة من الشروط لانتخابات الرئاسة بحيث أنه نسبة 8 في المائة فقط  من المواطنين لهم الحق في الترشح ،  إضافة طرح دساتير على مقاس السلطة تعطى لفرد واحد فيها  كامل الصلاحيات في تدبير الشؤون العامة و الخاصة للبلاد و تمنع أي جهة أخرى  من المراقبة أو المشاركة ،  زد على ذلك   الحصار  الإعلامي الواسع الذي بموجبه تم احتكار المعلومة و توقيف عدة برامج  و صحف و إقالة مجموعة من الإعلاميين و الصحافيين  و فرض رقابة كبيرة على القنوات المحلية و إلزامها بشروط محددة مضنية و مجحفة ، إذا أرادت أن يكون عملها سهلا و سلسا ، لا من الجانب التونسي أو حتي من الجانب المصري ،   إذن القمع لم يقتصر فقط على الحريات العامة و الفردية ، أو صد  الأطرف التي  تحاول فضح  المعاناة و المأساة التي يعيشها المواطنون بل وصل القمع حتى للمجال الإعلامي ، إذ فهي أنظمة مغلقة تماما .  
        لقد حكم بالشعبين  بيد من حديد ، منحوا لهذه  الشعوب فرصة  البقاء على قيد الحياة ، لذلك لم يكن يتوقع أي أحد أن تأتي الهبة الثورية ، و لم يكن أحد ليتوقع أن هذه  الشعوب ليس عمياء ، أو مريضة  ، أو معوقة و باردة ،كما كان يدعي بعض المحللين ؛   و أن هذه الأنظمة هي الأقوى  و لا وجود لخلية أو حزب أو شخص أو جماعة تهدد وجودها , لقد أبانت على ضعف قاتل ، و حجم  صغير جدا  يجاور حجم بعوظة ،  و ليس بإمكانها فعل أي شيء أمام الإرادة الحقة و القوية للمواطنين الضحايا ، لقد سقط قناعها و انتهت المسرحية الهزلية التي كانوا يمثلونها و يخرجونها و يكتبون سيناريوتها ، لقد  قلب الشعب الطاولة عليها و تكشفت ألاعيبها و مناوراتها الفاشلة ، حقا إنها أنظمة فاشلة . كيف لمعطل بسيط بائع للخضر أن يكون سببا لثورة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ثورة تاريخية؟ثورة ياسمين !!ثورة فل !و ثورة جياع جياع للحرية و الديموقراطية و العدالة ! لا شك أنها ستأخذ مساحة واسعة من  التاريخ ، كيف يمكن للفايسبوك و التويتر و اليوتوب أن يسقط نظام مبارك الفولاذي ، مخابرات أمنية و عسكرية ، و أجهزة أمن الدولة  ، و المخبرون ، و البوليس ...كلها أجهزة سقطت سقوطا مضحكا مبكيا ، كيف لهذه الأجهزة أن تتراجع و ترضخ لإرادة التاريخ ؟

        كان الشاب البوعزيزي عاطلا عن العمل ، و باستغلاله للوقت الذي كان يضيع من حياته في البحث عن وظيفة ، عمل كبائع للخضار متجول في الشوارع ، و بطبيعة الحال كان من المفروض أن يكون مهموما مدحورا  قاطعا الصلة بالأمل ، فأوقفه أفراد من الشرطة و صادروا عربته التقليدية المهترئة  آخر مصدر لرزقه ، فأشعل في ذاته النار و قتل ، إنه لم يشعل النار في ذاته فقط ، إنه أشعل النار في المجتمع كله  ، لقد كانت النقطة التي أفاضت الكأس ، فبدأ الناس يخرجون زرافات زرافات منذ الأيام الأولى التي تلت الحرق ، من مدن  سيدي بوزيد  إلى صفاقس و سوسة إلى القيروان إلى تونس العاصمة  ، حيث اختفت الشرطة عن الأنظار في مدن كثيرة  من خلال ضعف مقاومتها للهبة الجماهيرية للشعب ، و يخطب بن علي ثلاث خطب في ظرف أقل من  شهر في إشارة منه لتلبية مطالب شعبه ،  وعدهم من خلالها بحرية  أكثرو  ديموقراطية أشمل و أوسع ، و  أوضاع اقتصادية و اجتماعية أحسن غير أنه تبين أن تلك الخطابات قد استهلكت في الماضي و  فات الأوان عليها الأوان  إذا اعتبرنا أنه طوال 23 سنة الماضية و هو يرددها و  لم يتحقق منها شيء ، فبدأت مطالب الشعب  تزداد مداها شيئا فشيئا ، و بدأت القوات  الخاصة  باستعمال الرصاص الحي بعد التأكد من عدم فاعلية الهراوات ، و القنابل المسيلة للدموع ،  و يعمد بن علي لإسقاط الحكومة بغاية تشكيل حكومة جديدة ، لكن الشعب رفض ،  و لم يكن له بد  سوى الإعلان عن حالة الطوارئ و نشر الجيش في أرجاء البلاد ، غير أن الخلاف بينه  و بين جنرال الجيش رئيس هيئة أركان الدفاع  أدى بهذا الأخير  إلى تقديم استقالته ، وقد اعتبرت هذه آخر أوراق بن علي ، و بالتالي لم يكن له بد من المغادرة ، و هو ما كان بالفعل ، لقد عمل الجيش على احترام إرادة الشعب و لم يستخدم ضده القوة  ،  لقد ترك بن علي  بعض الصقور المتوحشة لنظامه من حرسه الجمهوري ،  فانتشروا في أرجاء البلاد و عاثوا قنصا و قتلا في المواطنين التونسيين ، رصاص  حارق في الرأس ، القلب ، البطن ...قتل العشرات من الشباب ، و قد تأكد فيما بعد أنهم كانوا يخططون لنشر الفتنة و تسهيل رجوع بن علي للسلطة ، غير أن ذلك هو الذي لم يكن ، بل اعتقل منهم الكثير برئاسة جنرال و رئيس حرسه المتورط في القتل و الفساد المالي و السياسي ،  و قد عمد المواطنون إلى تشكيل لجان شعبية للدفاع عن مناطقهم و ممتلكاتهم من اللصوص ، الذين تبينوا فيما بعد أنهم من أتباع نظام بن علي .

   لعله من غير الصواب أن لا نقر بتشابه  و امتداد السيناريو المصري  للسيناريو التونسي  ، بالرغم من بعض الجوانب و النقاط التي اختلفت في الثورتين ، فشرارة الثورة المصرية هي حركة 25 يناير ، التي حثت المصريين  في مواقع الأنترنيت  بالخروج في يوم الغضب من أجل التعبير عن المعاناة و مأساة  الشعب المصري ، و هو ما كان ،  فقد خرج  عشرات الآلاف من المصريين منددين بالفساد و التزوير و انحطاط قيمة الفرد  إلى درجة " حيوان " و ابتلاع  حقوقه  و تذويبها ، فضعفت القوة البوليسية أمام  القوة الجماهيرية للشعب و غابت الشرطة في أرجاء البلاد بعد تراجعها و استنفاذ الوسائل المضادة التي استعملتها ضد الشعب ، نتج عنه تدهور أمني خطير و غير مسبوق ، تشكلت على إثره لجان شعبية تحفظ الأمن و الممتلكات الخاصة و العامة .  بعد ذلك تم نشر قوات خاصة قامت بقنص مواطنين عزل  ، زد على ذلك أعداد "البلطجية" الذين تم تأجيرهم لردم و نسف الانتفاضة الشعبية ، فقاموا بجميع أشكال الصد التقليدي فاستعملوا الجمال و البغال و الحمير و الأحصنة  و السكاكين  و مهاجمتهم عن طريق قنابل المولوتوف و العصي و خراطيم المياه و رميهم من أعلى أسقف العمارات الحجارة والقنابل لإضعاف المتظاهرين و  شق قوتهم  و إخلائهم من  الساحة التي كانوا يعتصمون بها  ، غير أنهم فشلوا في مهمتهم القذرة . تكرر سيناريو تونس في مصر فقرر مبارك إسقاط الحكومة ، و تعيين نائب للرئيس لأول مرة منذ 30 عاما ، و قيامه بتوجيه ثلاث خطب للشعب الذي كان يتحصن بميدان التحرير وعدهم من خلالها بحرية أكثر ديموقراطية أكثر أوضاع اقتصادية و اجتماعية أحسن غير أنه يتبين أن تلك الخطبة  قد فات الأوان عليها إذا اعتبرنا أنه طوال 30 سنة الماضية  لم يتحقق منها شيء فهل ستتحقق في ظرف 6 أشهر  ؟  .غير أنه و على العكس من  تونس عملت السلطات المصرية على قطع الإنترنيت و شبكة الهواتف النقالة من أجل أن لا تمتد  الثورة إلى مناطق واسعة من البلاد ، غير أن ذلك لم يشكل عائقا في خروج المئات الآلاف من المواطنين للتظاهر ضد النظام ، إضافة إلى قطع شبكة خطوط القطارات بغية الحد من تدفق المواطنين في المدن التي تعرف احتجاجات كبيرة  . إن المؤسسة العسكرية لعبت دورا جوهريا في هذه النهاية الحتمية ، فقد كانت تتخذ موقفا محايدا بحيث لم تقمع المتظاهرين و لم تستعمل ضدهم القوة ، ثم أنها لم تنقلب على الشرعية الدستورية لذلك و على غرار ما حصل في تونس أكد الجيش  التزامه باحترام مطالب الشعب و عدم مواجهته بالقوة من خلال مجموعة من البيانات تم إلقاؤها عن طريق التلفزات الرسمية  ، ثم من جهة أخرى  نجاح المجال الإعلامي الذي شكل وسيلة لنقل كل التطورات التي جرت بالصوت و الصورة ،  إما وراء الكواليس أو ما كان يقع في الشوارع و الميادين ، لقد كانت  القنوات المصرية الرسمية  تبث مناطق خالية من الجماهير و تؤكد على أن الاستقرار موجود و لا وجود لأي تظاهرة  و تبين بالصور مجموعة من الأفراد تقول أنهم يدعمون الاستقرار ببقاء الرئيس مبارك و تدعم حكومته و قراراته  و أن هناك أشخاص ركبوا الموجة بتفريق الأكل و الشرب و الأموال على الجماهير في ساحة التحرير من أجل التغرير بهم و بقائهم في الساحة في حين أن الحقيقة  غير ذلك  و أن هناك مئات الآلاف بل الملايين يهتفون بسقوط النظام .

    إن الديكتاتوريات حتما إلى الزوال ، إن الشعوب العربية  مما لا شك فيه كانت تحس بالذل و الإهانة و المأساة و المعاناة و التزوير و الرشوة و كل أشكال" الاستدحاش" و " الاستحمار " ، فاستدحاش أو استحمار شعب مصيره الفناء  و الا وجود ، بل العدم  ، إنها لم تكن شعوبا باردة أو معاقة  أو نائمة في السبات العميق ، إنها  في الحقيقة كانت تبحث عن النقطة التي بإمكانها استنهاض الهمم و بث الرعب في هذه الأنظمة و الانقلاب عليها  ، و الطريقة التي بإمكانها إسقاط الطغاة بدون خسائر ثقيلة ، فالشعوب لم تكن لتدري الماوراء قيام الثورة ، كانت تخشى الإبادة الجماعية و  القضاء على النوع العربي  ، لكنه تبين فيما بعد على أن الثورة الحقيقة و  الفعالة هي الثورة السلمية  التي لا تتبنى العنف ، و هو ما تميزت بهما  الثورتان  التونسية و المصرية . لأنه تبني العنف سيقابله العنف و سيكون الجميع ضد هذه الانتفاضة العنيفة و ستؤول على أنها تهدف إلى تخريب القيم و استقرار ليس فقط البلاد بل المنطقة بأسرها و هو الدافع الذي سيكون جوهريا لطلب الاستعانة من الخارج لصدها . يمكن أن نضيف هنا أن الانتخابات بطبيعة الحال يتم تزويرها ، كيف إذن لنتائج تفوق ال 93 و 95 بالمائة أن تكون حقيقية في ظل كلمة معظم  الشعب الذي خرج  يهتف برأس الرئيسين مبارك و بن علي ، إنهم المنتخبون الحقيقيون ليسوا بالمنتخبين المزورين  كما يقال عندما تعطى النتائج الرسمية للانتخابات  ، لقد منحوا هؤلاء الرؤساء لأنفسهم فرصا طوال عقود من الزمن يرددون في خطبهم أنهم كانوا يقضونها خدمة لشعوبهم ، إنه "الغباء التاريخي" ، لقد كانوا يكذبون و ينافقون شعوبهم و  يمتصون دماءهم و يكسرون عظامهم و يرمونهم للبطالة و الفقر و التهميش يأكل و ينهش  فيهم ,
      لقد عملت هذه الأنظمة على خلق  فجوة عميقة بين الشعب و مواطنيه ، فأصبح الأول يكره الثاني و يحقد عليه ، ذلك أن نظام الشرطة التي يتقاضى أفرادها و ضباطها  رواتبهم من أموال المواطنين ، و منوطة بهم  مهمة حفظ الأمن و الاستقرار ،  و الدفاع عن المواطن من اللصوص و المفسدين ، كان هذا النظام مساندا لهؤلاء ، و شرسا مع الآخرين ، لقد كانت  مهمتهم تستهدف تخويف و ترهيب المواطنين من أي فكرة أو موقف ضد السلطة قد يتبنوه،   بل أكثر من ذلك كانت  الشرطة تشن حملات مسعورة ضد الشعب و يمكن أن تقتل كما رأينا في حالة خالد سعيد  و كما  رأينا عندما دهست عربات الشرطة  المواطنين  خلال المظاهرات و قتلتهم  و رمتهم و أسالت دماءهم بدم  بارد لا رقيب و لا حسيب ، و في حالات كثيرة في تونس ،  كما يمكنها أن تعذب و تقمع و تستبد و تمارس  الشطط في استعمال السلطة..بدون مراقبة قضائية  مستقلة أو لجنة موضوعيةو مسؤولة   تستهدف فضح كل الممارسات الخارجة عن القانون...و أصبحت الشرطة  لا تبالي بأمر المجرمين الخارجين على القانون و الفاسدين و المفسدين الكبار برجال الأعمال  ذوي النفوذ بقدر ما  تستهدف المواطن الضعيف و المغلوب على أمره .
      إن الفقر مسألة طبيعية ، طوال التاريخ  الماضي الغابر هناك الغني و الفقير ، إن جدلية التناقض هذه موجودة في هذا  التاريخ ، إنه لا عيب في الدول  افتقارها للموارد المالية أو الاقتصادية لسد العجز  في المشاكل التي تتخبط فيها ، كم من دولة فقيرة استطاعت تدبير شؤونها و تسيير نفسها بشكل جدي و مسؤول ؟ إن المشكلة و العيب كل العيب  في هذه الأنظمة ليس في فقرها أو محدودية مواردها الطبيعية ، بل هو في فسادها المستشري و الذي يأكل ملايير الملايير من  الأموال كان بإمكانها حل جميع المشاكل التي تعاني منها البلاد ليس فقط ذلك ، بل بإمكانها تسديد كافة الديون التي عليها  ،  إن التنمية التي كانت هذه الأنظمة   تتغنى بها من خلال الشطحات الإعلامية التي كان روادها يدعمونها ، يجب أن نبعدها من تصوراتنا الوردية  ، بحيث أن التنمية  يمكن أن تفيد مجموعة على حساب مجموعة أخرى من المجتمع ، بمعنى أوضح ،  كيف يمكن أن نتحدث عن التنمية و نسبة البطالة تزداد  بشكل متسارع ، و نسب التضخم تسجل أرقاما جديدة ، و الهوة تزداد توسعا بين الأغنياء و الفقراء .
 إن بزوغ أي ثورة هو" عقد مع التاريخ "، بمعنى أوضح ،  أنه لا مجال لتغيير الأشخاص أو المجموعات أثناء قيام الثورة ، أو تقديم التنازلات ، إن هذا العقد الذي يجمع بين الثورة و التاريخ هو اجتثاث أولا للنظام القائم ليس باعتباره فاسدا أو أنه  لم يكن على قدر المسؤولية التي أرماها هو  نفسه على عاتقه  ، بل لأنه طبق " الغباء التاريخي" و سجل نفسه في قائمة الديكتاتوريات الغبية ، لأننا نعيش في القرن الواحد و العشرين ، في عهد التقدم  العلمي  و الإنساني و هو عهد بإمكاننا  الاستفادة منه  من خلال ما جد فيه من تطور ،  و أخذ العبرة و الموعظة من الديكتاتوريات التي كان مصيرها محتوما و بديهيا ألا و هو الزوال الذي لا محيد عنه . و هي أيضا "عقد مع التاريخ " بمعنى قطع  الصلة مع النظام القديم و تأسيس نظام جديد حر و  ديموقراطي و عادل  ليس لديه أي امتداد أو ارتباط بالنظام السابق الذي وجب  بث القطيعة الرسمية معه ، و كذلك تحذيرا لهذا النظام الجديد بأن مصالح الشعب هي العليا و أن لا أحد يمكن أن يهين المواطن و يحتقره مهما كانت الظروف .
      سئل ابن مبارك في أحد الندوات  عن مدى تجاوبه مع شباب الفايسبوك  و  هل لديه استعداد للإجابة عن أسئلتهم ، فكان رده الاستهزاء  و السخرية  و الضحك ، لم يكن يعرف أو يعتقد على أن شباب الفايسبوك  سيبخرون  أحلامه برئاسة مصر ، و أن شباب اليوتوب و التويتر و العالم الافتراضي قادر على إنجاز المعجزات ،لم يكن يدري بأن الثورة في إيران تمت بوسائل تقليدية و أن الثورتين الفرنسية و البلشفية قامتا بالحوار و الخطب في الشوارع صعب  حينها بعث رسائل لمسافات أطول . فكيف لها أن لا تقام في القرية الصغيرة . فهي إذا أول ثورةإلكترونية يشهدها التاريخ الحديث  .
    إن هؤلاء الشباب -في تونس و مصر- بدون مرجعيات سياسية أو دينية أو عقائدية  حققوا النصر ، إن  المدهش من كل ذلك  أنهم بدون قائد ملهم يقودهم ، كلهم يد واحدة ، مصالحهم واحدة و مشتركة  . افتخر الشعب و اعتز بهم لقيامهم بما عجز عنه آباؤهم  . و كان يتمثل لهم ذلك الحلم بالتغيير ،  بعيد بعد الدهر ،  ثقيل ثقل الكون ، و لا مجال حتى للتفكير فيه ، فقد قهقرت هذه  الأنظمة  الدور العربي في المنطقة  ، و أصبحت الشعوب العربية  مهددة أكثر من أي وقت مضى ، أوروبا النووية ، إسرائيل النووية ، إيران باكستان ،  الهند ،  الصين النووية  ، و العرب لا يملكون لا علما و لا معرفة و لا أدبا و لا جيشا  و لا أي شيء يمكن أن  يتشرف به العربي على مدى التاريخ ، إلا إذا كانت هناك اجتهادات فردية من هنا أو هناك . لقد أبان العرب و الشعب التونسي و المصري على الخصوص أن إرادة الشعوب لا تقهر ، كما أبانوا عن التحام و تضامن كلي و شامل فظيع و  رائع بكل المقاييس  بين جميع الشرائح و الفئات العمرية  سيشهد له التاريخ  و سيسجل على جباه كل جائر و محتال .